يواجه المواطن المغربي، لا سيما من ذوي الدخل المحدود، أزمة معيشية خانقة جراء موجة ارتفاع قياسية وغير مسبوقة في أسعار المواد الأساسية واللحوم والمحروقات. وتأتي هذه الطفرة السعرية لتكشف عن فجوة آخذة في الاتساع بين تكاليف المعيشة اليومية ومستويات الأجور التي ما زالت عاجزة عن مواكبة قفزات السوق، مما يضع الاستقرار المالي لآلاف الأسر على المحك.
سجلت الأسواق الوطنية زيادات حادة فاقت كل التوقعات في سلع حيوية، إذ تضاعفت أسعار الأضاحي (الماشية) لتنتقل من متوسط 3000 درهم إلى أزيد من 6000 درهم، بنسبة نمو بلغت 100%. وفي المنحى ذاته، قفزت أسعار اللحوم الحمراء من 55 درهماً إلى 120 درهماً للكيلوغرام الواحد (زيادة بنحو 118%).
ولم تستثن موجة الغلاء قطاع الطاقة والمواد المصاحبة لها؛ حيث صعد سعر اللتر الواحد من مادة "الغازوال" من 8 دراهم إلى 16 درهماً، في حين سجلت مادة الفحم الخشبي (الفاخر) قفزة نوعية من 8 دراهم إلى 20 درهماً للكيلوغرام، مسجلة زيادة بلغت 125%.
وتأتي هذه الارتفاعات الفلكية في وقت تشير فيه المعطيات الرسمية إلى أن الحد الأدنى للأجور في القطاع الخاص (SMIG) قد بلغ حوالي 3,420 درهماً شهرياً بحلول يناير 2026. ورغم الزيادات الطفيفة المقررة، يرى مراقبون أن هذه القدرة الشريائية تظل قاصرة عن تلبية الاحتياجات الأساسية، خاصة بالنسبة لفئة واسعة من العمال غير النظاميين والمياومين الذين لا يتعدى دخلهم اليومي 100 درهم.
يدويعزو خبراء اقتصاديون ومهنيون في القطاع هذه الاختلالات الهيكلية إلى تضافر مجموعة من العوامل المتداخلة، توالي سنوات الجفاف أدى لشح الأمطار إلى استنزاف القطيع الوطني وتراجع أعداد المواشي، ناهيك عن الارتفاع الحاد في كلفة الأعلاف، مما انعكس سلباً على حجم العرض المحلي، وتنامي دور الوسطاء والمضاربة التي تساهم سلاسل التوزيع الطويلة وغياب آليات الرقابة الصارمة في تغذية ظاهرة الشناقة والمضاربين، الذين يفرضون هوامش ربح مبالغ فيها على حساب المستهلك النهائي.
التقلبات الدولية وتحرير السوق: ألقت التوترات الجيوسياسية العالمية بظلالها على أسعار النفط، ومع اعتماد سياسة تحرير أسعار المحروقات محلياً، أصبحت السوق الوطنية مكشوفة أمام التقلبات الخارجية دون خطوط دفاع كافية، ومحدودية نجاعة الدعم الحكومي بالرغم من الحزم المالية الموجهة لدعم بعض القطاعات، يؤكد خبراء أن غياب آليات تسقيف الأسعار والمراقبة البعدية يحول دون وصول الأثر الإيجابي لهذا الدعم إلى جيوب المواطنين.
أمام هذا الوضع الاقتصادي الحرج، باتت الحكومة والجهات الوصية مطالبة باعتماد مقاربة حمائية شاملة وعاجلة. وتتوزع هذه المطالب بين تكثيف الرقابة على الأسواق ومحاربة الاحتكار، وتوفير دعم مباشر وناجع للإنتاج المحلي، فضلاً عن إرساء آليات مبتكرة لمراجعة الأجور والسياسات الاجتماعية، بما يضمن صون الكرامة والقدرة الشرائية للمواطن المغربي.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مشار إليها بـ *