جريدة العاصمة
تمكنت جريدة العاصمة من رصد نشاط رقمي كبير لعشرات الحسابات الإلكترونية المشبوهة التي يُشتبه في توظيفها للترويج لبعض المرشحين بمدينة فاس، عبر تضخيم أرقام الإعجابات والتعليقات والمشاهدات وإعادة نشر المحتوى الدعائي بكثافة، بما يوحي بوجود شعبية واسعة قد لا تعكس بالضرورة حجما حقيقيا للتأييد الإنتخابي في بعض حسابات المرشحين.

وحسب المعطيات التي رصدتها الجريدة، فإن عددا من هذه الحسابات يحمل أسماء وصورا غير مألوفة في السياق المغربي بأسماء أجنبية اسيوية وتركية، ويستعمل صورا عامة أو صورا تبدو مأخوذة من مصادر مختلفة، كما ينحصر نشاط كثير منها في التفاعل مع منشورات ذات طبيعة سياسية أو انتخابية مع التعاليق المؤيدة للمرشح.
وتكشف طبيعة التعليقات المنشورة عن تكرار في الصياغة والمضمون، مع تزامن ملحوظ في أوقات النشر، الأمر الذي يثير شبهات حول وجود توجيه مشبوه منظم وليس مجرد تفاعل تلقائي لمواطنين.
كما سجلت جريدة العاصمة ظهور حسابات توحي بياناتها أو لغتها أو نمط تفاعلها بارتباطها بفضاءات رقمية آسيوية، بينها مؤشرات على حسابات صينية وهمية، وهو ما يعزز فرضية اللجوء إلى ما يعرف بالذباب الإلكتروني من أجل صناعة حضور رقمي مصطنع والتأثير على الرأي العام، وتقديم بعض المرشحين كما لو أنهم يحظون بتأييد جماهيري كبير.
ولا يتعلق الأمر فقط بأرقام على شبكات التواصل، بل بمحاولة للتأثير على الناخب عبر خلق انطباع بأن مرشحا بعينه يتقدم على منافسيه أو يحظى بإجماع واسع، فالتعليقات المتشابهة، والمشاركات المتزامنة، والترويج المكثف لمنشورات بعينها، كلها أدوات يمكن أن تصنع صورة مضللة عن المزاج العام في مدينة فاس، خصوصا لدى المواطنين الذين يتابعون السباق الانتخابي عبر المنصات الرقمية.
ويأتي هذا في وقت ينص فيه الإطار القانوني المنظم للانتخابات على منع نشر الإعلانات السياسية أو المنشورات الانتخابية المؤدى عنها عبر المواقع والمنصات الإلكترونية الأجنبية، فالمادة 40 من القانون التنظيمي رقم 27.11 المتعلق بمجلس النواب، كما تم تغييرها وتتميمها بالقانون رقم 53.25، تقر عقوبات مالية تتراوح بين 50 ألفا و100 ألف درهم في حق كل من يثبت تورطه في نشر أو تمويل إعلانات سياسية أو منشورات انتخابية مؤدى عنها عبر منصات أجنبية.
ولا يقتصر المنع على أن يؤدي المرشح بنفسه ثمن الترويج، إذ يمكن أن يشمل، بحسب طبيعة الوقائع والأدلة، أعضاء الحملة أو الوكلاء أو وكالات التواصل أو الوسطاء، كما قد يثار الأمر عند استعمال حسابات أو بطاقات أداء تابعة لأشخاص آخرين من أجل تمويل الدعاية الرقمية.
وتندرج ضمن ذلك خدمات الترويج المدفوع، مثل Boost وSponsor وPromote، على منصات مثل Facebook وInstagram وTikTok وYouTube وGoogle، والخدمات المجانية لبعض،التطبيقات و البرامج المجانية الأجنبية متى تعلق الأمر بمحتوى سياسي أو انتخابي ممول.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى تحقيق جدي في مصادر هذه الحسابات من طرف المصالح المختصة، وطبيعتها، والجهات التي تديرها، وصلتها المحتملة بالصفحات الرسمية للمرشحين أو بمحيطهم الانتخابي، كما يفترض التحقق من بيانات الإعلانات الممولة المتاحة على المنصات الرقمية، ومن مسارات الأداء والوسطاء الذين قد يقفون خلف أي حملات مشبوهة.
إن ما رصدته جريدة العاصمة يفتح من جديد النقاش حول النزاهة الرقمية في الاستحقاقات الانتخابية، وحول ضرورة مواجهة كل محاولة لصناعة شعبية افتراضية بدل الاحتكام إلى البرامج السياسية، والعمل في الواقع، وثقة المواطنين، فالانتخابات لا ينبغي أن تُحسم بالحسابات الوهمية والذباب الإليكتروني، بل بإرادة ناخبين أحرار ومطلعين على حقيقة المرشحين وخياراتهم.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مشار إليها بـ *