جريدة العاصمة

collapse
...
الرئيسية / سياسة / قبل الانتخابات.. ملفات ثقيلة تلاحق عباس الومغاري من داخل جماعة مكناس

قبل الانتخابات.. ملفات ثقيلة تلاحق عباس الومغاري من داخل جماعة مكناس

2026-08-20 12:40:56  جريدة العاصمة  20 مشاهدة
قبل الانتخابات.. ملفات ثقيلة تلاحق عباس الومغاري من داخل جماعة مكناس

حسين العياشي
 

يستعد عباس الومغاري، رئيس المجلس الجماعي لمكناس، وفق ما افادت به مصادر محلية، للعودة الى غمار الانتخابات التشريعية من جديد، مرتديا قبعة حزب الاتحاد الدستوري، غير ان الطريق الى صناديق الاقتراع قد لا يكون هذه المرة معبدا بالشعارات الانتخابية وحدها، فثمة مدينة بكاملها تقف خلف الأزقة المظلمة متسائلة عن الحصيلة، وعن العقارات التي جرى او يراد تفويتها، وعن المصابيح التي تضيء احياء وتترك اخرى في عتمة موحشة، وعن الطريقة التي تدار بها واحدة من أعرق حواضر الملكة المغربية.
 

ذلك ان السؤال الذي يفرض نفسه اليوم في مكناس ليس من سيترشح ومن سيعود، وانما ماذا فعل من تولى مسؤولية تدبير المدينة؟
إن مكناس، بحسب معطيات استقتها مصادر محلية، لا تعيش فقط ازمة مشاريع متعثرة او خدمات دون مستوى انتظارات سكانها، بل تواجه ما يشبه ازمة في فلسفة التدبير نفسها، حيث تتقاطع السياسة بأرباح العقار، وتتداخل الخدمة العمومية مع الحسابات الانتخابية، وتصبح ممتلكات الجماعة محط صراع بين من يريد الحفاظ عليها باعتبارها رصيدا للاجيال المقبلة، ومن يرى في تفويتها موردا لحل بعض الاختناقات الآنية.
 

وهنا بالضبط يصبح سجل عباس الومغاري في رئاسة المجلس جزءا من السؤال الانتخابي المقبل، لا تفصيلا هامشيا فيه. وتقول مصادر محلية ان المدينة عرفت خلال السنوات الماضية تراجعات تنموية لافتة، في ظل استمرار نمط تقليدي في تدبير الشأن الجماعي، لا يمنح المشاركة والشفافية المكانة التي يفترض ان تحظيا بها في مؤسسة يفترض انها تجسد ارادة السكان. كما تشير المعطيات الى ان النقاش داخل المجلس كثيرا ما انصرف الى تفاصيل ومصالح ضيقة، بينما ظلت الاسئلة الكبرى المتعلقة بمستقبل المدينة والتنمية الحضرية والعدالة المجالية معلقة في الهواء.
 

لكن الملف الذي يرفع منسوب الحرج السياسي الى اعلى درجاته يتعلق بممتلكات الجماعة، ففي قلب مكناس توجد عقارات ومرافق ذات قيمة مالية ورمزية كبيرة، من بينها "لاسيندا" وسوق الرحبة وسوق السمك، وقد تحولت هذه الممتلكات، وفق المصادر نفسها، الى موضوع صراع داخل المجلس، في ظل توجه نحو تفويتها وتحويل بعضها الى مشاريع سكنية خاصة.
 

الاكثر اثارة للانتباه، ان بعض هذه الممتلكات لا يتعلق بقطع ارضية مجهولة الموقع والقيمة، وانما بمرافق توجد في قلب المدينة وتحمل قيمة عقارية وتاريخية لا يمكن اختزالها في ثمن البيع وحده. ولهذا وصف مستشارون داخل المجلس هذا المسار بانه اعتداء على الرصيد الحضري لمكناس، بل ذهبوا الى اعتباره جريمة حضارية في حق المدينة، في تعبير يكشف حجم التوتر الذي بات يحيط بملف العقار الجماعي.
 

ثم يأتي التبرير المرتبط بالمساهمة في تمويل الملعب الكبير، وهو تبرير يفتح بابا اخر للسؤال. فاذا كانت مساهمة الجماعة في هذا المشروع محدودة، فلماذا يكون ثمن هذه المساهمة هو بيع اصول يفترض ان تبقى ملكا عاما للمدينة زمعها الأجيال القادمة؟
فالمنتخب الذي يدبر ملكا جماعيا لا يملك حق النظر اليه بعين الدورة الانتخابية، لان مهمته تتجاوز زمن الولاية. الارض التي تباع اليوم لا يمكن استعادتها غدا، والعقار الذي يتحول الى مشروع خاص لن يعود بسهولة الى الملك الجماعي حين يكتشف السكان ان المدينة باتت في حاجة اليه.
 

اما قصة الإنارة العمومية، فإنها تفتح بابا اشد حساسية، بحسب المصادر نفسها، تعاني احياء مثل حي السلام وسيدي بابا والملاح القديم وبلي محمد والبساتين والوفاق من ضعف او غياب الإنارة، بينما تستفيد مناطق اخرى من تدخلات أكثر انتظاما، مع حديث عن نقل تجهيزات ومصابيح من احياء الى اخرى. وهي ممارسة وصفت بانها مقايضة انتخابية، وهي عبارة ثقيلة لا يجوز المرور عليها مرور الكرام، لأنها تمس جوهر العلاقة بين المواطنين على حد سواء و
 

فالإنارة ليست امتيازا انتخابيا، ولا منحة تمنح لمن يرضى عن المجلس وتعاقب بها منطقة لا تصوت وفق هواه. انها خدمة عمومية وحق حضري، وغيابها قد يعني بالنسبة الى سكان بعض الاحياء خوفا يوميا، وارتفاع مخاطر السرقة والاعتداء، وشعورا عميقا بان المدينة لا تعامل مواطنيها بالميزان نفسه.
 

ثم هناك السؤال الذي لا يقل ثقلا عن سابقاته، والمتعلق بثروات بعض المنتخبين، المصادر تتحدث عن حالات انتقال مالي لافت لدى بعض الاشخاص داخل المجلس، وتدعو الى تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، والى فتح الباب امام المؤسسات المختصة للتحقق من مصادر الثروة ومدى انسجامها مع المسارات المهنية والمداخيل المعلنة.
 

وهنا ينبغي التمييز بين الاتهام والتحقيق. فلا يجوز تحويل الشبهة الى ادانة، لكن لا يجوز ايضا تحويل الاسئلة المشروعة الى محظورات. فالذي يتولى تدبير المال العام واملاك الجماعة ليس فوق السؤال، والتصريح بالممتلكات ليس طقسا اداريا يؤديه المنتخب ثم يطويه النسيان، وانما احدى ادوات حماية الثقة العامة. وإذا ظهرت ثروات ضخمة في مسارات زمنية قصيرة، فان من حق الرأي العام ان يعرف، ومن واجب المؤسسات المختصة ان تتحقق.

مكناس اليوم لا تحتاج الى مزيد من الخطابات التي تتحدث عن المستقبل، بقدر ما تحتاج الى كشف الحساب. تحتاج الى ان تعرف ماذا انجز المجلس، وماذا تعثر، وما هي الممتلكات التي خرجت من ملك الجماعة، ولماذا خرجت، ومن استفاد من تفويتها، وما الذي عاد على المدينة من عائداتها، وكيف توزعت الخدمات بين الاحياء، ولماذا يضيء شارع بينما يغرق شارع اخر في الظلام.

وفي هذا السياق تحديدا، تبدو عودة عباس الومغاري الى السباق التشريعي أكثر احراجا من مجرد ترشح سياسي عادي؛ فالرجل لا يدخل الانتخابات فقط بصفته مرشحا يريد مقعدا في البرلمان، بل يدخلها وهو يحمل على كتفيه حصيلة رئاسة جماعة مكناس، وحين يطلب ثقة الناخبين سيكون من المشروع ان يطلبوا منه، قبل البرامج والوعود، كشف حساب التجربة التي قادها.

فالناخب المكناسي ليس مطالبا فقط بسماع ما سيقوله الومغاري عن المستقبل، بل من حقه ان يسأله عما حدث في الماضي القريب. فالانتخابات ليست مناسبة لغسل الحصائل، ولا صندوق الاقتراع ممحاة تمحو ما وقع خلال الولاية. ومكناس، بتاريخها العريق وثقلها الحضاري، لا تحتاج الى من يعدها بمدينة أفضل فقط، بل تحتاج الى من يستطيع ان يجيبها بوضوح عن سؤال أكثر قسوة.
ماذا فعلتم بالمدينة التي ائتمنتكم على مفاتيحها؟
فحين يطلب المسؤول ثقة الناخب من جديد، تصبح الحصيلة هي برنامجه الحقيقي، ويصبح ما تركه وراءه أكثر صدقا من كل ما سيقوله امام الكاميرات.


شارك:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مشار إليها بـ *

Your experience on this site will be improved by allowing cookies Cookie Policy