جريدة العاصمة

collapse
...
الرئيسية / اقتصاد / فوضى الأسعار في سوق اللحوم بالمغرب.. من يجني أرباح الدعم الحكومي؟

فوضى الأسعار في سوق اللحوم بالمغرب.. من يجني أرباح الدعم الحكومي؟

2026-09-25 17:20:39  جريدة العاصمة  28 مشاهدة
فوضى الأسعار في سوق اللحوم بالمغرب.. من يجني أرباح الدعم الحكومي؟

جريدة العاصمة

 

كشفت أحدث معطيات المندوبية السامية للتخطيط عن ارتفاع أسعار اللحوم بنسبة 2,2 في المائة خلال غشت 2026 مقارنة بيوليوز، في وقت واصلت فيه أسعار عدد من المواد الغذائية الأساسية مسارها التصاعدي. هذا الرقم، رغم أنه يبدو محدودا على الورق، يخفي وراءه واقعا أكثر تعقيدا: سوقا للحوم الحمراء يتسم بفوضى تسعيرية تطرح أكثر من علامة استفهام حول جدوى السياسات العمومية الموجهة لدعم هذا القطاع.

 

الأرقام الرسمية للمندوبية تقيس المعدلات الوطنية، لكنها لا تعكس الهوة الحقيقية الفاصلة بين الأسعار المعروضة على أرض الواقع. فحسب عبد الحق البوتشيشي، المستشار الفلاحي المعتمد لدى وزارة الفلاحة، يمكن أن يباع كيلوغرام لحم العجل بـ80 درهما في منطقة، وبما بين 110 و130 درهما في منطقة أخرى، رغم كون جزء من هذه اللحوم يصدر عن المذابح ذاتها. التفاوت نفسه ينسحب على لحوم الماعز والأغنام، حيث يمكن أن يتضاعف السعر بين جزار وآخر دون مبرر واضح مرتبط بجودة المنتج أو مصدره.

 

 فتقارير صحفية حديثة أشارت إلى أن أسعار بعض قطع لحوم الأبقار الكوتليت والفيليه بلغت 190 إلى 200 درهم، بينما تباع القطع العادية بحدود 150 درهما، ما يؤكد أن السوق يفتقر إلى معيار تسعير موحد يمكن للمستهلك الاحتكام إليه.

 

أخطر ما تطرحه شهادة البوتشيشي هو التساؤل حول مصير الدعم العمومي الموجه لقطاع اللحوم الحمراء، خصوصا الإعفاءات الضريبية والجمركية الممنوحة لاستيراد العجول. فبينما تعفى هذه الواردات من الضريبة على القيمة المضافة ومن الرسوم الجمركية بهدف كبح الأسعار لفائدة المستهلك النهائي، فإن الفارق لا ينعكس عمليا على الثمن المؤدى في محلات الجزارة، وهو ما يدفعه إلى القول صراحة إن المستفيد الأول من هذا الوضع هو الجزار، في ظل غياب المراقبة واعتماد نظام تحرير الأسعار الذي يترك الهامش مفتوحا أمام كل بائع لتحديد سعره كيفما شاء.

 

هذا الطرح يتقاطع مع ما ترصده تقارير أخرى حول القطاع، إذ تشير بعض التحليلات إلى أن اللحوم الحمراء تجاوزت في فترات سابقة من السنة عتبة 160 درهما للكيلوغرام، ما دفع السلطات إلى اللجوء مجددا لخيار الاستيراد لضبط السوق وكبح المضاربة، في وقت لا تزال فيه برامج إعادة تكوين القطيع الوطني، التي خصصت لها الدولة اعتمادات مالية مهمة، بعيدة عن استعادة توازنها.

 

المفارقة اللافتة التي يرصدها البوتشيشي تتعلق بتكلفة الإنتاج: فالعجل المربى محليا تكون كلفته أعلى بسبب ارتفاع أثمان الأعلاف الخاضعة للضريبة على القيمة المضافة بنسبة 10 في المائة، مقارنة بالعجل المستورد المعفى من الرسوم، هذا الفارق، في غياب إلزام الجزارين بالإفصاح عن بلد منشأ اللحوم، يفتح الباب أمام ممارسات غير شفافة، حيث يمكن تسويق لحم مستورد تحت غطاء عجل البلاد بأسعار مبالغ فيها.

 

وتؤكد بيانات المندوبية السامية للتخطيط أن الاتجاه التصاعدي لأسعار اللحوم ليس طارئا؛ فقد سجلت هذه المادة ارتفاعات متتالية خلال أشهر 2026، وصلت إلى 2,4 في المائة في مارس مقارنة بفبراير، ما يعكس ضغطا مزمنا على هذا القطاع مرتبطا بعوامل هيكلية تتجاوز التقلبات الموسمية العادية، من بينها محدودية العرض الوطني وتأثيرها المباشر في رفع الأثمان وتقليص الخيارات أمام المستهلكين.

 

في ظل هذا الواقع، تبدو المطالب المتكررة بتفعيل آليات المراقبة واعتماد تسقيف للأسعار، خصوصا بالنسبة للحوم المستفيدة من الإعفاءات الجمركية والضريبية، أكثر إلحاحا من أي وقت مضى، فاستمرار الفجوة بين الدعم الموجه للقطاع والثمن الفعلي الذي يؤديه المستهلك يطرح سؤالا جوهريا حول فعالية السياسات العمومية في هذا المجال، ويكشف عن حاجة ملحة لمنظومة تسعير أكثر شفافية، تربط بين كلفة الإنتاج الحقيقية والسعر النهائي، بدل ترك السوق رهينة لتقدير كل بائع على حدة.

 


شارك:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مشار إليها بـ *

Your experience on this site will be improved by allowing cookies Cookie Policy