جريدة العاصمة
في الوقت الذي تركز فيه الحملات الطبية الدولية جهودها لمحاصرة طفرة السجائر الإلكترونية وسوائل النيكوتين المبتكرة يجد المجتمع المغربي نفسه في مواجهة نمط استهلاكي قديم متجدد للتبغ غير المدخن.
ويتعلق الأمر بمادة الكالة المحلية التي عادت لتثير قلقا صحيا متزايدا بعد تحولها من مجرد ممارسة تقليدية محدودة إلى ظاهرة استهلاكية لافتة في أوساط الشباب والمراهقين مدفوعة ببروباغندا اجتماعية تروج لها كبديل اقتصادي وآمن عن السجائر.
آلية الامتصاص السريع: الخطر الكامن وراء غياب الدخان
تعتمد هذه المادة في تسللها إلى الجسم على آلية فيزيولوجية مباشرة حيث يتم وضعها بامتزاج مع اللعاب تحت اللسان أو بين الشفة واللثة مما يتيح للأغشية المخاطية الرقيقة للفم امتصاص النيكوتين بتركيزات عالية وتمريره فورا إلى الدورة الدموية والدماغ.
وتكمن المفارقة الخطيرة هنا في أن غياب الاحتراق والدخان يمنح المستهلكين لاسيما اليافعين إحساسا واهما بالسلامة في حين أنهم يعرضون أجسادهم لجرعات نيكوتينية مكثفة تقود إلى إدمان مركب يفوق أحيانا إدمان السجائر العادية.
تشويه تجويف الفم: فاتورة طبية باهظة يدفعها المستهلك
بعيدا عن آفة الإدمان، يرصد أطباء الأسنان وجراحة الفم حصيلة ثقيلة من الأضرار الموضعية المباشرة الناتجة عن الاستهلاك المزمن لهذه المادة.
ويتصدر هذه التشوهات تراجع حاد في أنسجة اللثة وتعري الأسنان مصحوبا بالتهابات ميكروبية مزمنة، واصفرار حاد في المينا فضلا عن انبعاث روائح كريهة مستمرة.
وتؤكد التقارير الطبية أن الخطر الحقيقي يكمن في التغيرات النسيجية الصامتة، والتي تبدأ على شكل بقع بيضاء أو حمراء داخل الفم، وهي مؤشرات سريرية مبكرة قد تتطور في غياب الفحص المبكر إلى أورام وخيمة يصعب علاجها.
الفجوة التوعوية
رغم تحذيرات منظمة الصحة العالمية المستمرة من تنامي منتجات التبغ غير المدخن، فإن الخطاب التحسيسي في المغرب لا يزال يركز بشكل شبه كلي على مخاطر التدخين التقليدي السيجارة والشيشة تاركا الكالة تتحرك في منطقة رمادية بعيدة عن مقص الرقابة والتوعية الأسرية والمدرسية.
هذا الفراغ الإرشادي ساهم في تطبيع وجود هذه المادة داخل الفضاءات العامة والتعليمية مستغلا غياب مساحات للنقاش العمومي الجاد حول مخاطر المخدرات الموضعية.
نحو استراتيجية وقائية متكاملة لحماية الأجيال الصاعدة
إن مواجهة التمدد الصامت لهذه الظاهرة تتطلب تجاوز المقاربة الطبية الكلاسيكية التي تقتصر على لغة الوعيد، ونقل المعركة إلى مربع الوقاية الاستباقية.
ويمر هذا المسار بالضرورة عبر دمج التوعية ببدائل التبغ غير المدخن ضمن المناهج التعليمية والأنشطة الموازية للشباب و تفعيل آليات رقابية صارمة لقطع قنوات إنتاج وترويج هذه المواد في المحيط المجرور للشباب. اضافة. الى إطلاق وحدات للاستشارة الطبية والدعم النفسي داخل المراكز الصحية لمساعدة الراغبين في الإقلاع عن الإدمان النيكوتيني بشتى أنواعه.
إن النيكوتين يبقى مركبا ساما ومحفزا عاليا للإدمان، سواء تم استنشاقه عبر رئة مشتعلة أو امتصاصه بصمت عبر أوعية الفم وهي حقيقة علمية تتطلب مراجعة شاملة لسياساتنا الوقائية الوطنية لحماية الصحة العامة.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مشار إليها بـ *