توصيات برلمانية لإصلاح التعليم الأولي على وقع احتجاجات مهنية

جريدة العاصمة/ نجوى القاسمي

 

Ad image

على وقع تصعيد ميداني جديد، أعلن التنسيق الوطني لأساتذة وأستاذات التعليم الأولي عن خوض إضراب وطني يومي 7 و8 أبريل، مرفوقا بوقفة احتجاجية أمام مبنى البرلمان بالرباط، احتجاجا على استمرار هشاشة أوضاعهم المهنية، وتجديداً لمطلب الإدماج في الوظيفة العمومية.

 

ويأتي هذا الاحتجاج في وقت كشفت فيه مجموعة العمل الموضوعاتية المكلفة بتقييم السياسات العمومية حول التعليم الأولي عن جملة من التوصيات الرامية إلى إصلاح اختلالات هذا الورش الاستراتيجي، في إطار البرنامج الوطني لتعميم وتطوير التعليم الأولي في أفق 2028.

 

وبحسب التقرير الذي اطلعت عليه جريدة “العاصمة”، فإن تحقيق هدف تعميم التعليم الأولي لا يرتبط فقط برفع نسب التمدرس، بل يستدعي إرساء حكامة مندمجة وتوحيد تدخلات الفاعلين، إلى جانب ضمان تمويل مستدام قادر على مواكبة هذا المشروع الإصلاحي.

 

كما شدد التقرير على ضرورة الرفع من جودة العرض التربوي، عبر تأهيل الموارد البشرية من خلال التكوين الأساسي والمستمر، واعتماد معايير موحدة لمزاولة مهنة التربية، بما يضمن تحسين جودة التعلمات منذ المراحل الأولى.

Ad image

 

وفي السياق ذاته، دعت اللجنة إلى تسريع إدماج الأطفال في سن الثالثة داخل منظومة التعليم الأولي، وفق ما ينص عليه القانون الإطار 51.17، مع التركيز على تقليص الفوارق المجالية، خاصة بالعالم القروي والمناطق الهشة، لضمان تكافؤ الفرص.

 

Ad image

في تصريح هاتفي لجريدة العاصمة، أكد جمال بنشقرون كريمي، مقرر اللجنة الموضوعاتية المكلفة بتقييم السياسات العمومية حول التعليم الأولي، أن الإشكال المطروح اليوم لا يرتبط بغياب النماذج أو التجارب البيداغوجية، بقدر ما يرتبط بمدى القدرة على تكييفها وتنزيلها داخل السياق المغربي.

 

وأوضح بنشقرون أن العالم يزخر ببرامج وتجارب متقدمة في المجال البيداغوجي والديداكتيكي، غير أن السؤال الجوهري يظل: هل نحن قادرون على اعتماد هذه النماذج وتوفير شروط تنزيلها فعليا داخل منظومتنا التربوية؟

 

وأضاف أن نجاح أي نموذج تربوي لا يتوقف فقط على توفير الوسائل والعدة الديداكتيكية أو المناهج، بل يمر أساسا عبر تأهيل العنصر البشري، مشددا على أن المربي يظل الحلقة المركزية في إنجاح التعليم الأولي، ما يفرض تمكينه من التكوينات اللازمة والقدرات المهنية التي تجعله قادرا على توظيف هذه الأدوات بشكل فعال.

 

وفي هذا السياق، سجل المتحدث أن التعليم الأولي في المغرب يعاني من غياب وضوح في الرؤية وتعدد المتدخلين، حيث تتوزع مسؤوليته بين قطاعات حكومية مختلفة، إلى جانب حضور قوي للقطاع الخاص والمجتمع المدني وهو ما يؤدي، بحسبه، إلى نوع من التشتت وغياب الانسجام في المنظومة.

 

ودعا إلى ضرورة توحيد الإشراف على هذا القطاع تحت وصاية وزارة التربية الوطنية، مع تقنين تدخلات باقي الفاعلين وضبطها ضمن إطار بيداغوجي موحد، يضمن جودة التعلمات وتكافؤ الفرص بين الأطفال.

كما شدد على أهمية إحداث إطار قانوني واضح لمربي ومربيات التعليم الأولي، على غرار باقي أطر التدريس، مبرزا الحاجة إلى إحداث مراكز تكوين متخصصة تضمن إعداداً تربويا ونفسيا ملائما لهذه الفئة، إلى جانب التكوين المستمر.

 

وفي ما يخص البنية التحتية، أكد بنشقرون أن التعليم الأولي يتطلب فضاءات ملائمة وجاذبة تستجيب لخصوصيات الطفولة المبكرة، وتساهم في تحفيز الأطفال على الاندماج في المدرسة.

 

ولم يخف المتحدث قلقه من التركيز المفرط على الأرقام ونسب التمدرس، معتبرا أن الرهان الحقيقي ليس في رفع نسب الولوج فقط، بل في ضمان جودة التعليم الأولي، لأنه يشكل الأساس لإصلاح المنظومة التربوية ككل، والحد من الهدر المدرسي، وتحقيق العدالة الاجتماعية.

 

وختم تصريحه بالتأكيد على أن إصلاح التعليم الأولي يظل مدخلا أساسيا لإعادة الاعتبار للمدرسة العمومية، وبناء مجتمع قائم على تكافؤ الفرص وجودة التعلمات.

 

وفي السياق ذاته، أكد سعد عبيل، عضو اللجنة الإدارية الوطنية للجامعة الوطنية للتعليم (FNE – التوجه الديمقراطي) في تصريح لجريدة العاصمة أن الإشكالات التي تم تسجيلها على مستوى التعليم الأولي لا تقف عند حدود الحكامة أو تعدد المتدخلين، بل تمتد بشكل واضح إلى ضعف البنية التحتية وغياب شروط التعميم الفعلي.

 

وأوضح عبيل أن المتتبع لوضع المؤسسات التعليمية بمختلف أسلاكها، بما فيها السلك الابتدائي الذي يحتضن أقسام التعليم الأولي، يجزم بأن البنية التحتية الحالية غير كافية، مشيرا إلى أن أي حديث عن تعميم هذا السلك سيصطدم حتما بواقع الاكتظاظ ، خاصة في ظل عجز الوزارة عن معالجة هذه الإشكالية حتى في التعليم الإعدادي والثانوي التأهيلي.

 

ومن جهة أخرى، سجل المتحدث اختلالات بيداغوجية مقلقة، حيث لا تتجاوز الأنشطة التفاعلية داخل الأقسام نسبة 25 في المائة، مقابل هيمنة واضحة للطرق التقليدية القائمة على التلقين والترديد، إلى جانب ضعف ملحوظ في تنمية مهارات القراءة والتعبير لدى الأطفال.

 

وفي امتداد لما أشار إليه جمال بنشقرون كريمي بخصوص مركزية العنصر البشري، شدد عبيل على أن المغرب لا يتوفر على عدد كاف من المربين، مرجعا ذلك إلى محدودية الغلاف المالي المخصص للتوظيف، فضلا عن هشاشة الأوضاع المهنية، حيث يشتغل عدد كبير من المربيات والمربين في إطار علاقات شغلية غير مستقرة جمعيات، تعاقد وبأجور لا تتجاوز في الغالب 3000 درهم، بل إن بعضهم لا يستفيد حتى من الحد الأدنى للأجور.

 

وأضاف أن ضعف التمويل يظل من أبرز العوائق أمام إصلاح هذا القطاع، وهو ما سبق أن نبهت إليه النقابة في بياناتها، معتبراً أن أي إصلاح حقيقي يقتضي إرادة سياسية وميزانية كافية تواكب طموح تعميم التعليم الأولي.

 

وبناء على ذلك، جدد عبيل التأكيد على جملة من المطالب الأساسية، في مقدمتها إدماج أساتذة التعليم الأولي في أسلاك الوظيفة العمومية، وتحسين أوضاعهم المادية بما يتلاءم مع غلاء المعيشة، إلى جانب ضمان تعميم تعليم أولي عمومي وذي جودة، عبر توفير البنيات التحتية الملائمة، والمناهج المناسبة، والتكوين الجيد للأطر التربوية.

 

وفي المحصلة، تكشف توصيات اللجنة الموضوعاتية لمجلس النواب أن ورش تعميم التعليم الأولي، رغم طابعه الاستراتيجي، لا يزال يواجه تحديات بنيوية عميقة تتجاوز منطق الأرقام ونسب التمدرس، لتلامس جوهر جودة التعلمات وشروط إنصاف المنظومة التربوية.

 

فنجاح هذا المشروع يظل رهينا بإرساء حكامة موحدة، وتوفير تمويل كاف، وتأهيل البنية التحتية، والأهم من ذلك الاستثمار في العنصر البشري باعتباره المدخل الحقيقي لأي إصلاح.

 

كما أن تقاطع هذه التوصيات مع ما يرفعه الفاعلون الميدانيون من مطالب، خاصة ما يتعلق بتحسين أوضاع المربين وضمان استقرارهم المهني، يعكس حاجة ملحة إلى مقاربة شمولية تدمج البعد التربوي بالبعد الاجتماعي.

شارك المقال :
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *