زلزال التفتيش يضرب مؤسسات عمومية بسبب سندات الطلب وشبهات ريع

جريدة العاصمة

تحت مجهر المفتشية العامة للمالية، تتكشف اليوم فصول جديدة من قصة هدر الفرص والمال العام، حيث لم تعد مؤسساتنا العمومية الثلاث عشرة مجرد وحدات إدارية، بل أصبحت مسرحاً لعمليات افتحاص دقيقة تنبش في ثنايا نفقاتٍ شابتها الريبة، لقد تحولت سندات الطلب – تلك الآلية التي وُجدت لتيسير الضروريات – إلى ثغرة يتسلل منها الالتفاف على القانون، ووسيلة لترسيخ واقعٍ يفتقر إلى روح المنافسة الشريفة.

Ad image

 

وتتحدث التقارير بمرارة عن عروض صورية”وُضعت مقاساتها بدقة لتناسب جهات بعينها، وعن نفقات سُويت في الظل خارج أي إطار تعاقدي يحمي حقوق الدولة، إنها صورة قاتمة لتجزئة النفقات، تلك الحيلة التي يُراد بها وأد طلبات العروض وتفادي إحراج الشفافية، في تحايل مكشوف على نصوص القانون التي وُضعت لتنظيم لا لتطويع.

 

ولم تقف الاختلالات عند حدود الأوراق، بل امتدت لتلمس جوهر الخدمة العمومية، فضعف الصياغة التعاقدية وغياب المواصفات الدقيقة فتحا الباب على مصراعيه لتجاوزات مست الجودة ورفعت الكلفة، وكأننا أمام استنزاف ممنهج للميزانيات. والأدهى من ذلك، أن ظلال جائحة كورونا لا تزال تخيم على هذه الممارسات، حيث استُغل ظرف الاستثناء لتكريس خروقاتٍ أصبحت مع الوقت قاعدة يُحتكم إليها لتسوية الحسابات الميزانياتية.

 

فبين شركات تحتكر السندات لسنوات، ومسؤولين يتلاعبون ببيانات الأسعار المرجعية، تظهر هشاشة أنظمة المراقبة الداخلية كجرح نازف في جسد الإدارة. إن ما كشفته عناصر التفتيش ليس مجرد نقائص تقنية، بل هو جرس إنذار يدعو لاستعادة هيبة القانون وترشيد الإنفاق، لضمان ألا تظل أموال الشعب رهينة حسابات ضيقة ومنافسات لا وجود لها إلا على الورق.

شارك المقال :
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *