في وقت تراهن فيه المملكة على ورش الجهوية المتقدمة كرافعة أساسية لتحقيق إقلاع اقتصادي واجتماعي متوازن، تطفو على سطح النقاش العمومي بجهة فاس-مكناس تساؤلات حارقة حول مدى تحقق الإنصاف المجالي في توزيع الثروات والمشاريع بين أقاليم الجهة، وما إذا كانت قاطرة التنمية تسير بسرعتين مختلفتين تُكرس هيمنة المركز على حساب الهامش.
في هذا السياق، أطلقت مبادرة أكاديمية استطلاع رأي واسع موجه للمواطنات والمواطنين بربوع الجهة، يروم تفكيك تمثلات الساكنة ورصد تقييمها لواقع التنمية المحلية. الاستمارة العلمية تسعى بالأساس إلى الإجابة عن سؤال محوري: هل تخضع الاستثمارات العمومية لمعايير موضوعية تضمن تكافؤ الفرص، أم أن القرار التنموي لا يزال سجين رؤية مركزية تُقصي الأطراف؟
ولأن التنمية الحقيقية لا تُقاس بالأرقام والميزانيات المرصودة فقط بل بـ الأثر الملموس، يركز هذا البحث على استجلاء مدى انعكاس المشاريع المنجزة على المعيش اليومي للمواطنين في شقه الاقتصادي، الاجتماعي والعمراني، وتراهن المبادرة على تحويل صوت المواطن من مجرد مستهلك للسياسات العمومية إلى شريك أساسي في تقييمها، من خلال بناء قاعدة بيانات موضوعية تنطلق من المعاينة الحية لواقع الحال، وتؤسس لتقديم بدائل تنموية أكثر عدالة.
ولم يغفل التشخيص الأكاديمي رصد الفرامل البنيوية التي تشل حركة المشاريع بالأقاليم الأكثر هشاشة بالجهة، حيث تبرز العقبة العقارية كأحد أعقد الملفات نتيجة خضوع مساحات ترابية شاسعة لنظام التحديد الإداري، مما يرهن الوعاء العقاري ويمنع تعبئته لصالح الاستثمارات الاستراتيجية.
ويزيد من تعقيد هذا الوضع ضعف النخب المحلية وغياب المبادرة أو القدرة على الترافع لدى فئة من المنتخبين، مما يبقي ملفات حيوية حبيسة الرفوف لسنوات دون تسوية.
ويرى القائمون على هذه الخطوة أن فك العزلة عن أقاليم الجهة يمر حتماً عبر مدخلين متكاملين، يكمن الأول في إرساء وعي مؤسساتي يتعامل مع القوانين والآليات القانونية كرافعة للإقلاع لا كعوائق بيروقراطية، فيما يتجسد الثاني في وجود إرادة سياسية حقيقية قادرة على تحويل المؤهلات المعطلة إلى فرص شغل وتنمية مستدامة على أرض الواقع.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مشار إليها بـ *