جريدة العاصمة
لم يدم الفرح بإنشاء المسار الرياضي والمنتزه السياحي المتاخم لغابة اللواجريين بالقرب من مستشفى الغساني بفاس طويلا، إذ سرعان ما تحول هذا المشروع، الذي أُنجز قبل نحو سنتين ليكون متنفسا طبيعيا وآمنا للساكنة، إلى فضاء مهجور يبعث على القلق. وتكشف الوضعية الحالية لهذه المنشأة عن مظاهر تدهور متسارعة طالت تجهيزاتها ومساحاتها الخضراء، مما أفقرها وظيفيتها الرياضية والترفيهية وتحولت من ملتقى للعائلات ومحبي الرياضة إلى مكان يتفاداه الزوار بسبب غياب الأمن والنظافة.
ولا تبدو هذه الحالة استثنائية في المدينة، بل تعكس ظاهرة متكررة في التعاطي مع المنشآت العمومية، حيث يبدأ المشروع بضجة إعلامية وتغطية لتقطيع شريط الافتتاح، ليطويه النسيان بمجرد مغادرة المسؤولين.
وتطرح هذه الوضعية علامات استفهام كبرى حول غياب آليات المراقبة المستمرة، وانعدام الحراسة والصيانة الدورية، وافتقار هذه المرافق للحد الأدنى من العناية والتأمين ضد أعمال التخريب، وهو ما يجعل الاستثمار العمومي يفقد قيمته الاستراتيجية بعد فترة قصيرة من إنجازه.
إن الاستدامة في السياسات العمومية تقتضي إدراك أن مرحلة البناء والتجهيز ليست سوى بداية دورة حياة المشروع وليست نهايتها. فالمنشآت الرياضية والترفيهية تحتاج إلى تخصيص ميزانيات صيانة دقيقة، وبرامج نظافة منتظمة، وحراسة مستمرة، إلى جانب تحديد واضح للجهات المكلفة بالتدبير والمحاسبة؛ إذ إن إنفاق الملايين على التأسيس دون التخطيط للاستمرارية يمثل شكلا صريحا من أشكال هدر الموارد المالية للمدينة.
وفي الوقت الذي يُطالب فيه المواطن باستمرار بالحفاظ على الممتلكات العامة، تقع على عاتق الجهات المعنية مسؤولية الإجابة عن أسئلة الصيانة والرقابة، وتوضيح أسباب ترك مرفق حديث يتآكل في فترة زمنية قصيرة.
إن فاس بحاجة ماسة إلى استراتيجية تنموية تتجاوز منطق التقاط الصور واستعراض حصيلة الأرقام، لتنتقل إلى نموذج يضمن بقاء المشاريع حية وفعالة في خدمة الساكنة؛ فالمال العام لا يضيع فقط بالسطو عليه، بل يتبدد أيضا بركن المشاريع الناجحة في زوايا الإهمال حتى تتحول إلى ركام.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مشار إليها بـ *