جريدة العاصمة
تظهر المؤشرات و الأرقام أن مدينة فاس سجلت أداء تصاعديا في القطاع السياحي خلال الأشهر الخمسة الأولى من سنة 2026، إذ بلغ عدد ليالي المبيت المسجلة بمؤسسات الإيواء السياحي المصنفة نحو 728 ألف ليلة عند متم ماي، بزيادة قدرها 7 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من سنة 2025، غير أن هذا الإرتفاع الذي يعكس تحسنا في مؤشرات الحضور السياحي، لا يبدو أنه ينعكس بشكل ملموس على الحركة الاقتصادية داخل المدينة العتيقة، حيث يشتكي الصناع التقليديون والتجار الصغار من ركود حاد وتراجع في مداخيلهم.
وفي اتصال بجريدة العاصمة، قال عبد الرحيم الإدريسي، صاحب محل للصناعة التقليدية( البلغة و الشربيل) بحي الطالعة الكبيرة، إن المستفيدين الأساسيين من النشاط السياحي هم المقاولات الكبرى العاملة في القطاع، بما فيها الفنادق المصنفة والمطاعم والبازارات المرتبطة بوكالات الأسفار. وأضاف أن الصانع التقليدي والتاجر البسيط يظلان في الغالب خارج دائرة الاستفادة الكبيرة، في وقت ترتفع فيه كلفة المواد الأولية وتضغط على هامش الربح وتحد من قدر على مواصلة نشاطهم، في حين تحصد المقاولات الكبرى و البازارات و المطاعم الكبرى ما يقارب 80 بالمائة من مداخيل القطاع السياحي.
وفي السياق ذاته، اعتبر عبد الكريم صابر، تاجر النحاسيات أن الركود يخص بشكل أساسي التجار والصناع التقليديين الصغار الذين لا يملكون وسائل منافسة الفاعلين الكبار، وشرح ذلك بمقارنة بين محل تبلغ قيمة سلعه نحو 5 ملايين سنتيم من الصناعة النحاسية، وبازار تتجاوز قيمة مخزونه 400 مليون سنتيم و أكثر، مشيرا إلى أن هذه الفارق في الحجم والقدرة التسويقية تجعل التجار الصغار في موقع ضعف، كما تحدث عن علاقة وثيقة تجمع شركات الأسفار والمرشدين السياحيين والبازارات والفنادق الكبرى، واعتبرها أحد الأسباب الرئيسية لتقليص فرص التجار الصغار في الوصول إلى الزبناء السياح.
من جهته، أشار أحمد العلمي أحد ساكنة درب الحرة بالطالعة الكبيرة لجريدة العاصمة إلى أن ضعف الولوجيات إلى المدينة العتيقة، وانتشار المرشدين غير النظاميين في أزقتها، إلى جانب بعض السلوكات التي قد تُشعر السياح بالإزعاج، أسهمت في تراجع ثقة الزوار، وأضاف أن رفع أسعار بعض منتجات الصناعة التقليدية إلى أضعاف قيمتها الحقيقية، ومحاولات بعض الفاعلين تحذير السياح مسبقا من الغلاء لكسب ثقتهم واستغلالها ماديا، عززا صورة سلبية قد تؤثر على قرار الزائر بالشراء أو بتكرار زيارته للمدينة.
وتظل هذه الشهادات مهمة في سياق مدينة تعتبر الصناعة التقليدية ركيزة تاريخية واقتصادية، إذ يقدر عدد الحرفيين بها بنحو 89 ألف حرفي، بينما تبلغ قيمة رقم المعاملات المرتبط بالقطاع حوالي 7.1 مليار درهم وفق معطيات سابقة بالجهة، ومع ذلك، فإن الفارق بين الأرقام السياحية الإجمالية والواقع اليومي للمحلات الصغيرة يكشف عن إشكالية في توزيع المنافع، خاصة في ظل تحسن ليالي المبيت بفاس بنسبة 6 في المائة عند متم يونيو 2026.
إن الأرقام المرتفعة لليالي المبيت بفاس قد تكون مؤشرا على استمرار جاذبية المدينة السياحية، لكنها لا تكفي وحدها للحكم على صحة اقتصادها المحلي ما لم تترجم إلى دخل حقيقي للصناع التقليديين والتجار الصغار ينعكس على مستواهم المعيشي، ويبدو أن معالجة هذا الاختلال تستوجب تدخلا منسقا لتنظيم التوجيه السياحي، وتحسين الولوجيات، ومحاربة الممارسات غير القانونية، وضمان توزيع أكثر عدالة لمنافع الحركة السياحية بين جميع الفاعلين، لا سيما أصحاب المحلات الصغيرة الذين يشكلون جزءا أصيلا من الهوية الاقتصادية والثقافية و التراثية للمدينة العتيقة.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مشار إليها بـ *