جريدة العاصمة/ بقلم: عثمان عيادي
بينما ترتفع في هذه الصبيحة حناجر أصحاب البذلة السوداء أمام مبنى البرلمان بالعاصمة الرباط، لا يبدو أن ما يحدث مجرد خلاف مهني عابر، بل هو صدام وجودي حول “المساحة الرمادية” التي تفصل بين السلطة والحق. عندما تُكتب القوانين بحبر “النجاعة” وحده، يسقط غالباً حبر “الحرية”. في هذا التحقيق، نكشف كيف تحولت مواد قانونية صماء إلى “كائنات أسطورية” تطارد استقلالية الدفاع، ولماذا اختار المحامون أن يكون “الغضب” أمام المؤسسة التشريعية هو مرافعتهم الافتتاحية في صبيحة هذا اليوم المشهود.
الرباط – الجمعة 06 فبراير 2026 تستفيق العاصمة المغربية في هذه الصبيحة على وقع احتجاج صاخب، صدى الهتافات يخيم على شارع محمد الخامس؛ الساحة المقابلة للبرلمان تضيق بالمحامين الذين حجوا من مختلف هيئات المملكة لتجسيد “جمعة الغضب”. هذا الحراك الذي ينطلق الآن ليس مجرد احتجاج فئوي، بل هو زلزال ناتج عن اصطدام مروع بين رؤية وزارة العدل “التقنية” وبين عقيدة المحامين “الوجودية” التي ترى في استقلاليتهم خط الدفاع الأخير عن المواطن.
يكمن جوهر الأزمة في مسودة قانون تنظيم المهنة، التي يصفها النقباء بـ “نص الردة الحقوقية”. ولأن الأزمة تكمن في التفاصيل، نضع بين أيديكم تشريحاً دقيقاً للمواد التي فجرت فتيل الانتفاضة عبر خمسة محاور “أسطورية” تمزج بين الفن والنضال:
1. المادة 84.. وصاية “زوسر” على نار “بروميثيوس” في الأساطير الإغريقية، سرق بروميثيوس “نار المعرفة” ليمنحها للبشر كي يكونوا أحراراً ومستقلين، لكن “زوسر” (كبير الآلهة) حاول فرض وصايته المطلقة على كل ما يفعله البشر، معتبراً أن أي فعل لا يمر عبر “إرادته” هو خروج عن النظام. واليوم، يرى المحامون في المادة 84 من المسودة، التي تفرض حصول الأنظمة الداخلية للهيئات على “تأشيرة السلطة الحكومية”، محاولة لتقمص دور “زوسر” الوصي.
إن المحاماة تاريخياً هي مهنة “النار”؛ نار الدفاع التي شبت بعيداً عن كنف الإدارة. وعندما ينص المشروع صبيحة اليوم على أن ممارسات المهنة وقواعدها الداخلية يجب أن تُعمد بختم الوزارة، فهو لا ينظم المهنة، بل يحاول “تأميم” شعلتها. يرفض المحامون هذه الأغلال؛ لأن “التأشيرة” تعني بالضرورة أن الوزارة تملك حق “المنع”، وهذا الحق يحول الهيئات من “سيادية” في تشريع أنظمتها إلى مجرد “تابع” ينتظر صك الغفران الإداري.
2. المادة 121.. “سيف ديموقليس” الذي يهدد خلوة الدفاع في ميثولوجيا أخرى، لم يكن “سيف ديموقليس” المعلق بشعرة حصان فوق رأس الجالس على العرش وسيلة للقتل بقدر ما كان أداة لزرع “الرعب الدائم” في قلبه. واليوم، يجسد المحامون المادة 121 كنسخة حديثة لهذا السيف؛ حيث تمنح هذه المادة للوكيل العام للملك حق “تحريك الدعوى التأديبية” مباشرة ضد المحامي، والطعن في قرارات الحفظ الصادرة عن النقباء.
إن منح النيابة العامة —وهي “خصم” مفترض للمحامي في ردهات القضاء الزجري— سلطة تأديب خصمها، يعني تعليق السيف فوق “البذلة السوداء”. المحامون يعتبرون هذا النص “أداة ترهيب” تقتل “الطمانينة المهنية”؛ فالمحامي الذي يواجه النيابة العامة بشراسة، سيظل دائماً تحت هاجس أن خصمه يملك سلطة “شد الخيط” وإسقاط السيف المهني عليه، مما ينسف “شجاعة المرافعة” التي هي روح العدالة النابضة.
3. المادة 6.. “حصان طروادة” الذي يهدد قلاع المهنة في ملحمة “طروادة”، لم تستطع الجيوش اقتحام أسوار المدينة المنيعة، حتى تم إدخال حصان خشبي ضخم كـ “هدية”، لكنه كان يحمل في أحشائه المقاتلين الذين فتحوا الأبواب من الداخل. واليوم، يرى المحامون في المادة 6 من المسودة “حصان طروادة” تشريعياً؛ حيث لم تنص صراحة على “حصرية” اختصاص المحامي في تحرير العقود وتقديم الاستشارات، مما يشرع الأبواب أمام “الأغيار” لتفكيك حصانة المهنة من الداخل.
يرى أصحاب البذلة السوداء أن حصرية هذه المهام هي “السور المنيع” الذي يحمي المواطن من العقود المفخخة والنزاعات القضائية العبثية. إن السماح لجهات لا تخضع للقسم المهني، ولا للرقابة التأديبية للنقباء، ولا لنظام التأمين عن الأخطاء المهنية، بالقيام بمهام المحامي، هو بمثابة استقدام “محاربين” لا يلتزمون بقواعد الحرب العادلة؛ مما سيؤدي في النهاية إلى سقوط “قلعة الثقة” التي تربط المتقاضي بمنظومة العدالة تحت مبررات “تسهيل الخدمات”.
4. المادة 14.. “سرير بروكست” ومحاولة نمذجة المحاماة في الأساطير، كان “بروكست” يجبر ضيوفه على النوم فوق سرير قياسي؛ فإذا كان الضيف أطول من السرير، بَتَرَ أطرافه، وإذا كان أقصر، مَدَّ جسده بعنف ليلائم الطول المطلوب. وتجسد المادة 14، التي تضع “المعهد الوطني للمحاماة” تحت إدارة ووصاية السلطة الحكومية، محاولة لوضع التكوين المهني للمحامي فوق “سرير بروكست” الإداري.
إن الوزارة تهدف من خلال وصايتها على الولوج والتكوين إلى “نمذجة” المحامي القادم؛ بتر أبعاده الحقوقية النضالية وتمديد أبعاده “التقنية الوظيفية” ليكون مجرد موظف في منظومة العدالة، وليس “جناحاً” مستقلاً لها. يرفض المحامون هذا التدجين؛ لأن أعراف المهنة وتقاليدها لا يمكن أن تُلقن في ردهات البيروقراطية الحكومية، بل في “الرحم المهني” الخالص للهيئات، لضمان خروج محامين على مقاس الحرية، لا على مقاس القوالب الحكومية الجاهزة.
5. المادة 20.. “متاهة ديدالوس” والرقمنة القسرية بنى المهندس العبقري “ديدالوس” متاهة معقدة لدرجة أن من يدخلها لا يستطيع الخروج منها أبداً، لأن هندستها مصممة لتضليل العقل. واليوم تضع المادة 20 العدالة داخل “متاهة رقمية” تفرض المنصة الإلكترونية طريقاً وحيداً تحت طائلة “البطلان”.
المحاماة لا ترفض الحداثة، بل ترفض “التقنية التي تبتلع الحق”؛ فربط مصير المتقاضي بـ “زر إلكتروني” وحيد في ظل بنية تحتية متهالكة هو مغامرة تشريعية. يرفض المحامون أن يتحول “العطل التقني” إلى مقصلة تُسقط حقوق المواطنين داخل دهاليز منصة لا تملك خياراً ورقياً للنجاة وقت الأزمات، مما يجعل التكنولوجيا “عائقاً” بدل أن تكون وسيلة مساعدة.
بينما تتعالى حناجر المحامين في هذه الصبيحة أمام قبة البرلمان ضد ما يوصف بـ “تغول الوزارة”، يبقى السؤال المعلق في فضاء العاصمة: هل المحاكم مجرد بنايات للإدارة، أم هي حصون للحقوق؟ إن “جمعة الغضب” التي انطلقت تفاصيلها الآن هي صرخة لتذكير الجميع بأن استقلال المحاماة ملكية عامة للمواطن؛ فإذا سقط “حائط الدفاع” اليوم، فمن سيصد شطط الإدارة غداً؟
الكرة الآن في ملعب الحكومة والمؤسسة التشريعية؛ فهل تستوعب رسالة هذه الصبيحة وتفتح باب الحوار التشاركي، أم ستستمر في تنزيل مقتضيات يراها أهل الدار “مقصلة” لمهنة النبلاء؟


