جريدة العاصمة
يستحضر المغاربة، بقلوب مفعمة بالاعتزاز، الذكرى الثانية والثمانين لتقديم “وثيقة المطالبة بالاستقلال”، التي وافقت الحادي عشر من يناير 1944. وتعد هذه المناسبة أكثر من مجرد ذكرى عابرة؛ فهي تجسيد لملحمة نضالية كبرى غيرت مجرى التاريخ المغربي الحديث، وانتقلت بالقضية الوطنية من المطالبة بالإصلاحات الإدارية إلى الجهر بالحق المشروع في الحرية والسيادة الكاملة. وتأتي احتفالات هذا العام في ظل تعبئة وطنية شاملة تحت القيادة الحكيمة للملك محمد السادس، لتؤكد استمرارية ذاكرة النضال في وجدان الأجيال الصاعدة، وترسخ قيم الوفاء لجيل المقاومة وأعضاء جيش التحرير الذين صنعوا ببطولاتهم فجر الاستقلال.
وتعود جذور هذا الحدث التاريخي إلى سياق دولي ووطني معقد، حيث استثمر بطل التحرير الملك الراحل محمد الخامس اللحظة السياسية المواتية، خاصة خلال “مؤتمر آنفا” عام 1943، لطرح ملف استقلال المغرب على القوى الدولية، مستنداً إلى مساهمة المملكة الفعالة في دعم الحلفاء ضد النازية.
وقد شكلت الوثيقة، التي صيغت بتنسيق وثيق بين القصر الملكي وقادة الحركة الوطنية، تحولاً استراتيجياً نوعياً؛ إذ لم تكتفِ بالمطالبة بإنهاء نظام “الحماية” الذي قسم البلاد إلى مناطق نفوذ فرنسية وإسبانية ودولية، بل وضعت رؤية استشرافية لبناء مغرب حديث يقوم على نظام سياسي شوري يحفظ الحقوق والواجبات، وينخرط في المنظومة الدولية كدولة كاملة السيادة.
إن الرمزية العميقة لذكرى 11 يناير تكمن في كونها جسدت أسمى معاني التحام العرش والشعب في مواجهة مخططات التجزئة والاستعمار. فمنذ انتفاضات الأطلس والشمال وصولاً إلى نضالات “الظهير البربري” وإصلاحات الثلاثينيات، وصولاً إلى صرخة الاستقلال، ظل المغرب وفياً لهويته ووحدته الترابية. واليوم، تظل هذه الوثيقة التاريخية نبراساً يضيء مسارات التنمية والوحدة، ومناسبة لاستلهام دروس التضحية والثبات، في وقت يواصل فيه المغرب مسيرته نحو تحصين مكتسباته الوطنية وتعزيز إشعاعه القاري والدولي، وفاءً لعهد الرجال الذين وقعوا بدمائهم وأقلامهم ميثاق الحرية والكرامة.
