جريدة العاصمة
في وقت تتزايد فيه الأسئلة حول علاقة المواطن بالمؤسسات التمثيلية، تكشف نتائج استطلاعات رأي حديثة عن تراجع لافت في مستويات الثقة بالمشهد السياسي في المغرب، خاصة تجاه الأحزاب، ما يعيد النقاش حول أزمة الوساطة السياسية وحدود فعاليتها في تمثيل تطلعات المواطنين.
فوفق معطيات سبق أن أجراها المركز المغربي للمواطنة ، عبر نحو 94.8 في المائة من المشاركين عن انعدام ثقتهم في الأحزاب السياسية، مقابل 5.2 في المائة فقط ممن احتفظوا بدرجة معينة من الثقة. كما أكد 96.7 في المائة أن مستوى الثق
ة تراجع مقارنة بالسنوات الماضية، ما يضع الأحزاب في صدارة المؤسسات التي تعاني من أزمة مصداقية.
ولم تتوقف المؤشرات عند حدود الثقة فقط، بل امتدت إلى تقييم الأداء؛ إذ اعتبر 91.5 في المائة من المستجوبين أن أداء الأحزاب ضعيف، بينما لم تتجاوز نسبة من يرونه إيجابيا 1 في المائة.
ويربط كثير من المواطنين هذا التقييم السلبي بعوامل متكررة، أبرزها تضارب المصالح، واستغلال النفوذ، والفساد، إلى جانب الوعود الانتخابية غير المنفذة.
ومن جهة أخرى، تؤكد المعطيات التاريخية أن هذه الأزمة ليست وليدة اللحظة، بل نتيجة تراكمات طويلة. فقد أظهرت دراسات سابقة أن أكثر من 80 في المائة من الشباب غير راضين عن الأحزاب، في حين ترتفع نسبة غير المهتمين بالشأن السياسي أو المتشككين في جدواه داخل بعض الفئات، ما يعكس تراجعاً مستمراً في الاهتمام بالممارسة الحزبية.
وفي السياق ذاته، أظهرت نتائج استطلاع آخر أن حوالي 81.5 في المائة من المواطنين لا يشعرون بأي انتماء حزبي، بينما عبّر 34.1 في المائة عن عدم رغبتهم في التصويت في الانتخابات المقبلة، وهو ما يعكس حالة من العزوف وفقدان الأمل في جدوى المشاركة السياسية.
ولا تقتصر أزمة الثقة على الأحزاب وحدها، بل تمتد إلى باقي المؤسسات. فقد حل البرلمان في المرتبة الثانية من حيث التقييمات السلبية بنسبة بلغت 89.5 في المائة، تليه الحكومة بنسبة 87.3 في المائة. كما سجلت المعارضة السياسية بدورها مستويات مرتفعة من عدم الرضا، حيث حصلت على 80.6 في المائة من التقييمات السلبية.
أما النقابات، فلم تكن بمنأى عن هذا التراجع، إذ اعتبر 84.7 في المائة من المشاركين أن أداءها ضعيف. كما طالت موجة عدم الثقة الجماعات الترابية، التي يفترض أنها الأقرب إلى المواطن، حيث صنفها 78.2 في المائة ضمن خانة الأداء الضعيف.
وبناء على هذه المؤشرات المتقاطعة، تتبلور ثلاث خلاصات رئيسية. أولها أن الثقة في الأحزاب السياسية بلغت مستويات متدنية للغاية، ربما هي الأدنى في تاريخ المشهد السياسي المغربي.
وثانيها تراجع المشاركة والانخراط، خاصة لدى الشباب، سواء على مستوى العضوية أو المشاركة الانتخابية. أما الخلاصة الثالثة فتتمثل في اتساع الفجوة بين المواطنين والمؤسسات، نتيجة شعور متزايد بأن الفعل السياسي لا يعكس تطلعاتهم ولا يؤثر فعلياً في تحسين أوضاعهم المعيشية.
وفي ضوء ذلك، يبدو أن أزمة الثقة الراهنة لا ترتبط فقط بضعف الأداء الآني، بل تعكس تراكمات ممتدة في الممارسة السياسية، وضعف التواصل مع المواطنين، إلى جانب ترسخ انطباع عام بأن الانخراط الحزبي محدود الأثر في صنع القرار أو تحقيق التغيير المنشود.


