جريدة العاصمة

collapse
...
الرئيسية / الرأي / ترشيح أحمد التويزي لرئاسة مجلس النواب: هل يعلن البام سقوطه السياسي الأول؟

ترشيح أحمد التويزي لرئاسة مجلس النواب: هل يعلن البام سقوطه السياسي الأول؟

2026-10-12 16:17:38  جريدة العاصمة  50 مشاهدة
ترشيح أحمد التويزي لرئاسة مجلس النواب: هل يعلن البام سقوطه السياسي الأول؟

جريدة العاصمة / بقلم: عبد العزيز الخبشي

 

إن ترشيح أحمد التويزي لرئاسة مجلس النواب، إذا تأكد رسميا، ليس مجرد اختيار لشغل منصب دستوري، بل هو امتحان سياسي حقيقي لحزب الأصالة والمعاصرة، ولمدى صدقية شعاراته بشأن الديمقراطية وتخليق الحياة السياسية وتجديد النخب. فحين يتعلق الأمر برئاسة المؤسسة التشريعية، لا يكفي الاحتكام إلى حسابات الأغلبية والتوازنات الحزبية؛ إذ يتعلق الأمر بموقع يقتضي سعة الصدر، واحترام الاختلاف، والقدرة على تدبير النقاش المؤسساتي بعيدا عن التشنج والمشادات.

لقد ارتبط اسم التويزي بمحطات من التجاذب البرلماني والسجال الحاد، وهي ممارسات تثير تساؤلات مشروعة حول مدى ملاءمة أسلوبه لموقع يفترض في شاغله أن يكون رمزا لاحترام التعددية وضمان شروط الحوار الديمقراطي. والأخطر أن ما أثير بشأن تعامله مع رئيس الهيئة الوطنية لحماية المال العام، إذا ثبتت تفاصيله المتداولة، يضع هذا الترشيح أمام سؤال جوهري: كيف يمكن إقناع الرأي العام بجدوى إسناد رئاسة البرلمان إلى شخصية تحيط بممارستها خلافات تتصل بكيفية تدبير الاختلاف واحترام الفاعلين الآخرين؟ إن المؤسسات لا تُصان بالشعارات، وإنما بالسلوك والممارسة واحترام القانون وأخلاقيات المسؤولية.

إن الخلل هنا يتجاوز شخص المرشح إلى العقل السياسي الذي ينتج مثل هذه الاختيارات. فهل أصبح معيار الاستحقاق هو القدرة على تدبير التوازنات الحزبية، بصرف النظر عن الصورة التي يقدمها المرشح عن الممارسة الديمقراطية؟ وهل تحول البرلمان إلى مجال لتصفية الحسابات وتسجيل المواقف، بدل أن يكون فضاء للتشريع والرقابة والحوار المسؤول؟ إن هذه الأسئلة لا تستهدف شخصا لذاته، بل تضع الاختيار السياسي في ميزان المساءلة العمومية.

إن أخطر ما يمكن أن يقع فيه حزب الأصالة والمعاصرة هو أن يرفع شعار الديمقراطية بلسانه، ثم يقدم اختيارات تثير الشك في استيعابه لجوهرها. فالديمقراطية ليست مجرد أرقام تُجمع لتشكيل أغلبية، ولا مناصب تُوزع لإرضاء التوازنات؛ إنها ثقافة في تدبير الاختلاف، واحترام المؤسسات، والقدرة على الإنصات إلى الخصوم قبل الحلفاء. ومن دون ذلك، تصبح الشعارات واجهة تخفي فراغا سياسيا، وتتحول المسؤولية الدستورية إلى امتياز حزبي منزوع من معناه العمومي.

لهذا، فإن ترشيح التويزي قد يشكل أول سقوط سياسي للبام في هذه المرحلة، لا لأن المرشح حُسم مسبقا في أدائه، بل لأن قرار الترشيح نفسه يفتح بابا واسعا للتساؤل حول معايير الاختيار وحدود المسؤولية السياسية. فالسقوط السياسي لا ينتظر دائما الهزيمة الانتخابية؛ قد يبدأ حين يعجز الحزب عن التوفيق بين خطابه وممارسته، وحين تصبح حسابات المواقع أقوى من مقتضيات المصداقية المؤسساتية.

إن رئاسة مجلس النواب ليست غنيمة حزبية، ولا مكافأة على الولاء أو القدرة على خوض الصراعات. إنها مسؤولية وطنية تتطلب شخصية تجعل من الحوار قاعدة، ومن احترام الاختلاف سلوكا، ومن صيانة كرامة المؤسسة التزاما يوميا. أما إذا كان منطق الأغلبية وحده كافيا لتبرير أي اختيار، فإن الحزب لا يكون قد انتصر سياسيا، بل يكون قد كشف عن أزمة في فهم معنى المسؤولية الديمقراطية.

والسؤال الذي سيظل مطروحا: هل يختار البام رئيسا لمجلس النواب قادرا على الارتقاء بالمؤسسة، أم يغامر بوضعها في قلب سجالات كان الأولى أن يتجاوزها؟ هنا بالضبط يُقاس ثقل القرار، وهنا قد يبدأ السقوط السياسي قبل أن تبدأ الولاية البرلمانية.

 


شارك:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مشار إليها بـ *

Your experience on this site will be improved by allowing cookies Cookie Policy