من دافوس… المغرب حين يختار التموقع لا الانتظار

جريدة العاصمة/ الدكتور حفيظ وشاك

ليست مشاركة المغرب في منتدى دافوس الاقتصادي العالمي حدثًا معزولا عن سياقه، ولا مجرد حضور في موعد دولي اعتاد قادة العالم على ارتياده كل عام. إنها، في جوهرها اختيار سياسي واستراتيجي يعكس وعي الدولة المغربية بطبيعة التحولات الجارية في النظام الاقتصادي العالمي، وبحاجة الدول الصاعدة إلى تثبيت موقعها بدل الاكتفاء بمراقبة التحولات من الهامش.

Ad image

 

من هذا المنطلق، تكتسب مشاركة رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، في منتدى دافوس دلالتها العميقة. فالمغرب لم يكن حاضرًا بصفته بلدًا يطلب الفرص، بل دولة تعرض نموذجا، وتسوق رؤية، وتدافع عن خيارات اتخذتها بوضوح وثبات.

 

في عالم يشهد تصدعا في اليقينيات الاقتصادية، وتراجعًا في الثقة بين الدولة والسوق، اختار المغرب أن يقدم نفسه كحالة مختلفة دولة تراهن على الاستقرار الاجتماعي باعتباره ركيزة للنمو، لا عبنا عليه. وهو خطاب لم يكن موجها للاستهلاك الداخلي، بل صيغ بلغة يفهمها صناع القرار والمستثمرون الدوليون.

 

لقد حمل رئيس الحكومة إلى دافوس سردية مغربية متماسكة، قوامها أن الإصلاح الاقتصادي لا يمكن أن ينجح دون تماسك اجتماعي، وأن جاذبية الاستثمار لا تُبنى على الهشاشة، بل على وضوح الرؤية واستمرارية القرار. وهي مقاربة تعكس نضجا سياسيا في التعاطي مع متطلبات العولمة الجديدة، التي لم تعد تقيس قوة الدول فقط بحجم أسواقها، بل بقدرتها على الصمود في وجه الأزمات.

 

Ad image

ولعل ما يميز هذا الحضور المغربي هو الانتقال من منطق الدفاع إلى منطق المبادرة. فالمغرب، بقيادة جلالة الملك محمد السادس، ومن خلال حكومة يقودها عزيز أخنوش، لم يعد يكتفي بتبرير اختياراته، بل بات يعرضها باعتبارها خيارًا عقلانيا قابلاً للشراكة والاستثمار.

 

في هذا السياق، تبرز شخصية رئيس الحكومة كعنصر فاعل في هذه الدبلوماسية الاقتصادية الهادئة. فهو يخاطب العالم بلغة الأرقام والوقائع، لا بلغة الانطباعات، ويقدم المغرب كبلد يحترم التزاماته، ويستثمر في بنياته التحتية، ويؤمن بأن الثقة الدولية تراكم ولا تمنح.

Ad image

 

داخليا، تحمل هذه المشاركة رسالة واضحة أيضا أن تموقع المغرب في الاقتصاد العالمي لا يُدار بالخطاب الشعبوي، ولا بالسجال الظرفي، بل بالاشتغال الاستراتيجي طويل النفس. فبين ضجيج النقاش السياسي اليومي، يختار المغرب أن يشتغل على صورته الدولية وعلى تثبيت موقعه ضمن الدول الصاعدة القادرة على جذب الاستثمار وبناء الشراكات.

 

إن افتتاحية اليوم ليست احتفاء بشخص أو حدث، بقدر ما هي قراءة في مسار بلد قرر أن يكون حاضرًا حيث تصاغ التوازنات الاقتصادية، وأن يدافع عن اختياراته بثقة، وأن يقدم نفسه للعالم كما هو : دولة مستقرة، طموحة، وصاعدة بخطى محسوبة.

 

ومن دافوس، يبدو أن الرسالة وصلت :المغرب لا ينتظر المستقبل … بل يشارك في صناعته.

 

الدكتور حفيظ وشاك

عضو الفدرالية الدولية لصحافي و كتاب السياحة

شارك المقال :
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *