افتتاحية جريدة العاصمة/ محسن الحسوني
لم يعد خافيا أن جزءا كبيرا من المشهد الإعلامي بمدينة فاس اختار، عن وعي أو عن كسل مهني، السير في خط تحريري واحد يقوم على تضخيم الإخفاقات، واستنساخ نفس الزوايا السوداء، وتقديم المدينة وكأنها فضاء للفوضى والفضائح فقط، مع تغييب شبه تام لأي مقاربة تحليلية أو توازن مهني.
هذا التوجه لا يمكن تبريره بشعار “نقل الواقع كما هو”، لأن نقل الواقع لا يعني اختزاله، ولا تحويل الاستثناء إلى قاعدة، ولا استغلال الحوادث العرضية لبناء صورة سوداوية دائمة عن مدينة بتاريخ فاس وعمقها الحضاري.
فاس ليست مدينة بلا مؤهلات ولا فضاء بلا ما يسوق، ومن يتجول بين المدن المغربية اليوم، خصوصا خلال التظاهرات الكبرى، يدرك أن فاس بعد الإصلاحات الأخيرة تتوفر على كل مقومات مدينة كبرى، بل وتتفوق جماليا على مدن يُقدَّم عنها إعلاميا نموذج أكثر إشراقا. تاريخها، عمرانها، وذاكرتها الجماعية تمنحها مكانة لا يمكن القفز عليها.
لسنا ضد الصحافة الجريئة ولا ضد التحقيقات الاستقصائية، بل نعتبرها جوهر المهنة، وقد أنجبت فاس صحفيين مهنيين محترمين قدموا الكثير للمدينة وللصحافة الوطنية. غير أن ما ظهر في السنوات الأخيرة، خاصة منذ 2021، هو بروز فئة دخلت المجال من أبواب أخرى، واتخذت من الإثارة الرخيصة ومن البحث الدائم عن “النقطة السوداء” أسلوبا وحيدا للاشتغال.
الأخطر في هذا المشهد هو التشابه المريب في المحتوى والأسلوب واللغة، وكأن الأمر يتعلق بإعلام مستنسخ، لا يفرق بين هذا وذاك، ولا بين النقد البناء والتشهير، ولا بين الصحافة وخدمة المدينة.
فاس لا تحتاج إعلاما يلمع صورتها بشكل زائف، لكنها في المقابل لا تستحق إعلاما يتغذى على بؤسها، ويحول مشاكلها إلى مادة للاستهلاك، دون اقتراح حلول أو ممارسة فعلية لدور الصحافة في المراقبة والتنوير.
إن الدفاع عن فاس ليس تملقا، بل مسؤولية مهنية وأخلاقية، والمطلوب اليوم ليس الصمت عن الاختلالات، بل إعادة تصحيح البوصلة، وبناء إعلام قوي، مستقل، ومتوازن، يحقق وينتقد، لكنه في الوقت نفسه يدافع عن مدينة عريقة تستحق الأفضل.


