افتتاحية جريدة العاصمة/ محسن الحسوني
هل يوجد بيننا رجل رشيد يقول بصوت واضح، هذا عبث؟ كيف يُعقل أن تنظم قوافل طبية من طرف جمعيات لا علاقة لها بالقطاع الصحي، وتحصل رغم ذلك على موافقة الجهات الوصية؟ وكيف لجمعيات تدّعي التخصص، بينما مكاتبها وأطرها لا تمت بصلة للطب، أن تُشرف على صحة المواطنين دون حسيب أو رقيب؟
لقد كنا، إلى وقت قريب، نستهجن وضع حارس خاص يوجه المواطنين داخل المستشفيات، قبل أن نفاجأ اليوم بأشخاص لا يتجاوز مستواهم الدراسي الابتدائي أو الإعدادي، يسيرون الأطباء، ويشرفون على المرضى، ويتحكمون في تدفق الحالات داخل قوافل يُفترض أنها “طبية”. أي عبث هذا؟ وأي استخفاف بعقول الناس وبصحتهم؟
الأخطر من ذلك، أن تتحول القافلة الطبية إلى منصة استعراض سياسي، حيث يقف المنتخب أو الفاعل السياسي على حالات مرضية خطيرة، حاملا معه دواء يوزعه كما تُوزع الحلوى، لا علاجا ولا تشخيصًا، فقط لإلهاء المرضى والتقاط الصور، قبل أن يخرج هذا وذاك للتباهي بتنظيم “قافلة متعددة التخصصات”، من أنت؟ وما علاقتك بالطب؟ ومن خوّلك أن تعبث بصحة المواطنين؟
لقد أصبحنا نعاين قوافل تُستعمل كوسيلة للدخول إلى الغمار السياسي، وأخرى تُستغل تحت عناوين براقة كـ”الختان”، حتى كاد البعض “يختن فاس كلها” بحثا عن شعبية ظرفية، هنا من يقامر بالعمل الجمعوي، وهناك من يقامر بصحة المواطن، وفي الحالتين تغيب الإنسانية، ويغيب المستوى، وتغيب المسؤولية.
وفي خضم هذا المشهد المقلق، يظل السؤال الجوهري مطروحًا بإلحاح، هل تحتاج مدينة فاس إلى ثورة حقيقية في القطاع الصحي، أم إلى مزيد من الترقيع؟ هل نريد سياسة صحية عمومية قارة، مبنية على مؤسسات قوية، وأطر مؤهلة، ومحاسبة صارمة؟ أم سنستمر في تغطية الخلل البنيوي بقوافل مناسباتية، يختلط فيها العمل الإنساني بالارتجال، والسياسة بالطب، والفرجة بصحة المواطنين؟
إن القوافل الطبية، حين تنظم في إطارها الصحيح، وتحت إشراف مهني صارم، تبقى مبادرات نبيلة وضرورية، خصوصا في العالم القروي والمناطق النائية. لكنها، حين تتحول إلى عبث منظم داخل مدينة كبرى، وحين يفتح بابها لغير المختصين، فإنها تصبح خطرا حقيقيا، لا خدمة اجتماعية.
صحة المواطن ليست مجالا للمقامرة، ولا منصة للدعاية، ولا سلعة انتخابية، إنها حق دستوري، وأمانة، ومسؤولية لا تقبل التهاون.

