جريدة العاصمة
لم يكن رحيل المهرجان الوطني للمسرح عن أسوار مكناس مجرد انتقال جغرافي لحدث فني بل كان بمثابة إعلان وفاة ثقافي لمدينة كانت تلقب بحاضنة الركح.
في عهد ولاية عبد الله بوانو (2015-2021)، لم يكتف مجلس الجماعة بالوقوف متفرجا على نقل الهوية الثقافية للمدينة، بل كان شريكا في هجرة قسرية لمهرجان الذي كان متنفسا فنيا لسكان العاصمة الإسماعيلية وفضاء للفنانين في مشهد يختزل الفشل التدبيري والارتهان للحسابات الضيقة.
مكناس تفقد بوصلتها الثقافية: كيف هجر بوانو مسرح المدينة بقرار العجز؟
لم يكن ترحيل المهرجان الوطني للمسرح إلى مدينة تطوان دليلا على رغبة الأخيرة في الاستحواذ على مكتسبات غيرها بقدر ما كان تجسيدا صارخا لضعف الكفاءة التدبيرية لمجلس مكناس بقيادة عبد الله بوانو.
فبينما كانت الحمامة البيضاء مستعدة وجاهزة لاقتناص الفرص واحتضان الحدث، كان مجلس مكناس يغرق في تبريراته الواهية وعجزه المخجل عن توفير أبسط شروط اللوجستيك والإيواء التي تليق بمكانة العاصمة الإسماعيلية وضيوفها.
وبدلامن أن يبذل بوانو الجهد للحفاظ على هذا المتنفس التاريخي الذي ترعرع بين أسوار مكناس، اختار لغة التبرير السهلة حيث عكست تصريحاته آنذاك رضوخا تاما لضغوط نقابة محترفي المسرح متعللا بمطالبهم البذخية في الفنادق الفخمة كغطاء يداري به عجز مجلسه عن تدبير المرفق الثقافي.
لقد كانت تلك المبررات بمثابة صك اعتراف رسمي بعدم القدرة على إدارة ملف ثقافي بهذا الحجم، لتهدي مكناس بسبب سوء تدبير مجلسها هذا الإرث الفني على طبق من ذهب لمدينة أخرى.
لغز 500 مليون: مهرجان الأشباح والزبونية المقنعة
في عز الأزمة التي كان يتباكى فيها المجلس، صدم الرأي العام المكناسي برصد ميزانية ضخمة تفوق 500 مليون سنتيم لإخراج نسخة المهرجان اولى لم يرها أحد.
الغرابة لم تتوقف عند الرقم، بل في هوية المستفيد شركة قيل إنها مقربة من عضوة في حزب المصباح بفاس.
هنا تحول المال العام من وسيلة لإنعاش ثقافة المدينة إلى عطايا حزبية عابرة للمدن ليتبخر نصف مليار من جيوب المكناسيين دون أن يرتفع ستار أو يصفق جمهور، في واحدة من أبشع صور الريع الثقافي التي طبعت تلك الحقبة.
فحين دق ناقوس الخطر المالي واقترب المجلس من حافة الإفلاس بسبب العجز عن تحصيل المداخيل وإغراق المدينة في المديونية لم يجد بوانو حلا سوى الرمي بالجمرة في حضن سلطات العمالة.
كان الهروب بالمهرجان نحو الوصاية اعترافا صريحا بأن المصباح الذي وعد بإضاءة مكناس قد انطفأ في أول اختبار لتدبير مرفق ثقافي تاركا الفنانين والمواطنين في عتمة التهميش


