حسين العياشي
لم يعد الجدل حول معايير اختيار مرشحات الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية مجرد اعتراض تنظيمي عابر، بعدما أخذت الأزمة منحى أكثر حدة بتوالي الرسائل الاحتجاجية من داخل الحزب، آخرها إعلان مريم جمال الإدريسي، عضوة المجلس الوطني وعضوة الكتابة الوطنية للنساء الاتحاديات، تقديم استقالتها النهائية من جميع هياكل ومسؤوليات الحزب، في خطوة جديدة تعكس عمق التصدعات التي فجرتها مسطرة الترشيحات.
فبعد الرسالة القوية التي وجهتها عضوة المكتب السياسي منال التقال إلى الكاتب الأول إدريس لشكر، والتي طرحت فيها أسئلة محرجة حول المعايير الحقيقية التي حكمت اختيار المرشحات، وعما إذا كان معيار الكفاءة والاستحقاق والمسار النضالي قد ظل حاكما للمفاضلة، أم أن الاعتبار المالي أصبح بدوره عاملا مؤثرا في عملية الحسم، جاءت استقالة مريم جمال الإدريسي لتضيف طبقة جديدة من الشكوك حول ما يجري داخل أحد أعرق الأحزاب المغربية.
وفي رسالة استقالتها المؤرخة في 23 غشت الجاري، أكدت الإدريسي أن قرارها ليس رد فعل ظرفيا ولا خصومة مع أشخاص، وإنما نتيجة ما وصفته بتحولات وممارسات أصبحت تعتبرها غريبة عن الروح التي صنعت الحزب. كما توقفت عند ما اعتبرته تراجعا للكفاءة والاستحقاق أمام اعتبارات أخرى، مؤكدة أنها لم تعد قادرة على الاستمرار حين تصبح مساحات الرأي والنقد أضيق داخل التنظيم.
وإذا كانت رسالة منال التقال قد ذهبت أبعد في طرح سؤال المال داخل مسطرة اختيار المرشحات، فإن استقالة الإدريسي لا تتحدث صراحة عن هذه العملية أو عن المساهمات المالية، لكنها تتقاطع معها في جوهر السؤال المتعلق بمكانة الكفاءة والاستحقاق وحرية النقد داخل الحزب. وهنا بالضبط يصبح المشهد أكثر حساسية، لأن الأمر لم يعد يتعلق بصراع حول اسم أو موقع، بل بتنامي شعور داخل التنظيم بأن القرار الحزبي يحتاج إلى قدر أكبر من الوضوح والشفافية.
فالرسالة التي وجهتها منال التقال كانت واضحة في تحذيرها من أن تتحول التزكيات إلى منافسة بين من يدفع أكثر، بدل أن تكون مناسبة لاختيار الكفاءات والأسماء ذات المسار النضالي والإشعاع السياسي. أما مريم جمال الإدريسي، فاختارت الذهاب إلى أبعد من الاحتجاج، معلنة مغادرة الحزب مع تأكيدها أن الوفاء الحقيقي للتنظيم لا يكون بالصمت عن اختلالاته، بل بالقدرة على قول ما يعتبره المناضل صوابا حتى عندما تكون كلفة ذلك هي المغادرة.
وهكذا يجد الاتحاد الاشتراكي نفسه أمام سؤال ثقيل لا يتعلق فقط بمن ستتقدم لتمثيله، بل بكيفية صناعة قراراته ومن يحكمها وبأي معايير. لأن الأحزاب لا تفقد بريقها فقط عندما تخسر الانتخابات، بل أيضا عندما يبدأ مناضلوها في التشكيك في عدالة المساطر التي تقود إلى صناعة نخبها. وبين رسالة تسائل المال، واستقالة تحتج على تراجع الاستحقاق وضيق مجال النقد، تبدو قيادة الحزب مطالبة اليوم بتوضيح ما يجري قبل أن تتحول أزمة الترشيحات إلى أزمة أعمق في الثقة والمصداقية.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مشار إليها بـ *