البوعارة.. فاعلون غير مرئيين يصنعون اقتصادا من الأزبال( روبرتاج)

جريدة العاصمة / نجوى القاسمي

مع أولى ساعات الصباح، وقبل أن تستيقظ المدينة على صخبها المعتاد يكون البوعارة قد بدأوا يومهم.

Ad image

 

وجوه متعبة وملابس بالية وأياد اعتادت نبش أكياس القمامة، بحثا عن شيء قد يتحول إلى لقمة عيش.

 

في الهامش المنسي من المجتمع المغربي، تنسج حكايات لا تروى كثيرا لكنها تختزل وجها آخر للحياة.

 

في أحد مطرح النفايات، يقف عزيز يراقب ويفتش بين أكوام الأزبال.

 

Ad image

يقول بهدوء عندما سألته رفض تحدث مع جريدة العاصمة فقال كل ما قد يخطر على بالك وكل ما هو موجود في المغرب، يمكن أن نعثر عليه هنا.

عبارة تختصر سنوات من التجربة حيث لم يعد شيء يثير الدهشة

 

Ad image

بين البلاستيك والمعادن وبقايا الطعام، لا يبحث البوعارة فقط عن مواد قابلة للبيع بل يواجهون أيضا وجها قاسيا للواقع يجدون أشياء تفرحهم أحيانا لكن في أحيان أخرى يصطدمون بما لا يحتمل.

 

بأثواب متسخة وأجساد منهكة يقضون ساعات طويلة في التنقيب غير آبهين بروائح خانقة أو مخاطر صحية محدقة.

 

فالأمراض الجلدية والتنفسية جزء من يومياتهم، تماما كما هي نظرات الاحتقار التي تلاحقهم في الشارع.

 

ورغم ذلك يواصلون العمل بصمت في مواجهة مزدوجة مع الفقر والنظرة الاجتماعية.

 

ورغم هشاشة وضعهم يجمع كثيرون على أن البوعارة كانوا من أوائل من مارسوا فرز النفايات وإعادة تدويرها في المغرب ولو بشكل عشوائي وغير منظم.

 

فهم يجمعون الزجاج والمعادن والحديد وحتى بقايا الطعام، ويعيدون إدخالها في دورة اقتصادية غير مرئية.

 

تزايد النفايات يعيد طرح سؤال إدماج البوعارة

 

تتقاطع هذه الحكايات الفردية مع مؤشرات مقلقة على الصعيد الوطني حيث يتجه إنتاج النفايات بالمغرب إلى الارتفاع بشكل لافت وفق توقعات حديثة للبنك الدولي ترجح بلوغه 17.6 ملايين طن سنويا في أفق سنة 2050 مقارنة بـ7.4 ملايين طن المسجلة سنة 2022.

 

وهو ما يضع تحديات متزايدة أمام منظومة التدبير البيئي والاجتماعي.

 

وفي ظل هذه المعطيات يظل حضور البوعارة قائما بل مرشحا للتوسع في غياب حلول مهيكلة تتيح إدماجهم ضمن منظومة رسمية.

 

محمد حبيب: البوعارة تعبير عن دينامية حضرية معقدة وإدماجهم يمر عبر الاعتراف والعدالة الاجتماعية

 

أكد محمد حبيب، أخصائي علم النفس الاجتماعي، في تصريح لجريدة العاصمة، أن ظاهرة البوعارة تمثل واحدة من أبرز المؤشرات الدالة على التحولات الاجتماعية داخل المجال الحضري بالمغرب، مشددا على أن ظهور هذه الفئة لا يمكن اختزاله في كونه مجرد سلوك فردي مرتبط بالفقر، بل يعكس دينامية اجتماعية مركبة تتقاطع فيها الهشاشة الاقتصادية مع الفراغات المؤسساتية ومنطق التكيف داخل المدينة.

 

وأوضح حبيب أن المدينة من منظور علم النفس الاجتماعي، لا تنتج فقط أنماطا منظمة من العمل، بل تفرز أيضا أدوارا غير رسمية عندما تعجز البنيات الرسمية عن استيعاب جميع الفئات.

 

وفي هذا الإطار، يبرز البوعار كفاعل تكيفي استطاع تحويل النفايات من عبء إلى مورد اقتصادي وهو ما يعكس قدرة على إعادة تعريف القيمة في سياق الهشاشة.

 

وفي المقابل سجل المتحدث وجود مفارقة نفسية واجتماعية حيث يستفيد المجتمع من هذا الدور بيئيا واقتصاديا دون أن يمنح أصحابه الاعتراف الرمزي اللازم مشيرا الى أن الأمر يرتبط بما يعرف بـالوصم الاجتماعي الذي يختزل هذه الفئة في صورة دونية رغم دورها الحيوي داخل سلسلة إعادة التدوير.

 

وبخصوص سبل الإدماج دعا أخصائي علم النفس الاجتماعي إلى الانتقال من منطق الإقصاء إلى مقاربة إدماجية قائمة على الحقوق، تبدأ بإعادة بناء الصورة الاجتماعية لهذه الفئة، باعتبار أن الاعتراف يشكل مدخلا أساسيا لأي إدماج فعلي.

 

كما شدد على ضرورة تنظيم البوعارة في إطار تعاونيات أو صيغ مهنية تضمن لهم شروط عمل لائقة وحماية اجتماعية، مع التأكيد على أهمية إعادة توزيع القيمة داخل سلسلة التدوير بشكل أكثر عدالة.

 

فاس.. تجربة رائدة في إدماج البوعارة ضمن الاقتصاد الدائري

 

تبرز مدينة فاس كنموذج حضري يسعى إلى تحويل التحدي إلى فرصة من خلال تبني مقاربة مبتكرة في تدبير قطاع النظافة، قائمة على إدماج البوعارة ضمن تعاونيات منظمة وتعزيز آليات الاقتصاد الدائري.

 

فوفق معطيات صادرة عن الجماعة الحضرية يهدف هذا التوجه إلى إدماج هذه الفئة في إطار مهني منظم يضمن الكرامة وظروف عمل لائقة إلى جانب تحسين الدخل وتوفير الحماية الاجتماعية.

 

كما يشمل المشروع برامج للتكوين في مجالات السلامة المهنية والاقتصاد الدائري، بما يعزز دورهم كفاعل أساسي داخل منظومة التدوير والنظافة.

 

وبذلك، تشكل فاس واحدة من المدن المغربية التي اختارت مقاربة إدماجية، لا تكتفي بتدبير النفايات، بل تراهن أيضا على إعادة الاعتبار للإنسان داخل هذه المنظومة

شارك المقال :
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *