تغيّبٌ “مُريب” لأعضاء المجالس الجماعية عن الدورات يُثير جدلاً واسعاً حول “الانتقائية” و”تصفية الحسابات” في تفعيل مسطرة الغياب

جريدة العاصمة

تتفاقم ظاهرة التغيب المستمرة لأعضاء المجالس الجماعية ونواب الرؤساء ورؤساء اللجان عن الدورات الرسمية والاجتماعات، لتضع تساؤلاتٍ حادة حول مدى التزامهم بالمسؤولية الملقاة على عاتقهم، وتُشعل جدلاً واسعاً بخصوص “الانتقائية” في تطبيق القانون. ففي الوقت الذي يُفترض فيه أن يمثل هؤلاء المنتخبون الساكنة ويناقشوا قضايا الشأن العام المحلي، يختار العديد منهم الاستقرار خارج أرض الوطن أو التفرغ لمشاريعهم والتزاماتهم الشخصية، ما يُفسر الغياب التام عن مهامهم فور تشكيل المكتب المسير. هذه الظاهرة، التي وُصفت بالسلبية، تبدو وكأنها تحظى بنوع من “التطبيع” من قبل بعض رؤساء المجالس الجماعية، الذين يتغاضون عن هذه السلوكات لفترات طويلة، ما يُثير شبهات حول دوافع هذا التغاضي.

Ad image

 

وبعد “سبات عميق” دام لأكثر من نصف الولاية الانتخابية، بدأت بعض الجماعات الترابية في تفعيل مسطرة الإقالة بحق الأعضاء المتغيبين، لكن التوقيت يثير الكثير من علامات الاستفهام، ففي الوقت الذي يُتوقع فيه تطبيق القانون بشكل صارم على الجميع، يكشف الواقع عن تباين واضح في التعامل مع حالات الغياب، هناك وجوه سياسية معروفة وقيادات حزبية بارزة تتغيب بشكل كامل عن الدورات والاجتماعات دون أن تُسجل ضدها أي ملاحظات، بل تتم “محاباتها” من قبل المجالس المعنية والأحزاب السياسية المسؤولة عن التسيير. هذا التمييز الواضح يطرح تساؤلات جدية حول مدى استقلالية رؤساء الجماعات في تفعيل القانون، وهل تُستخدم مسطرة الإقالة كأداة “لتصفية حسابات ضيقة” أو “لخدمة أجندات معينة”، بدل أن تكون وسيلة لضمان سير العمل البلدي بفاعلية ونزاهة.

إن هذا الوضع يُعد خرقًا صريحًا لمبادئ الشفافية والمساءلة، ويُلقي بظلاله على مدى جدية المجالس الجماعية في تمثيل المواطنين والدفاع عن مصالحهم. فبعض الأعضاء تحولوا إلى “مهاجرين سريين”، بعد عدم التزامهم بالعودة عند الحصول على التأشيرة والسفر إلى بلدان أجنبية، بل قام البعض بالسفر والاستقرار رفقة عائلاتهم بالخارج دون وقف التعويضات التي يتلقونها، وهو ما يُثير الاستياء الشعبي. إن عدم تفعيل مسطرة تسجيل الغياب بحق العديد من المستشارين بالمجالس الجماعية يُسائل بالدرجة الأولى رؤساء الجماعات، كما يُحمل السلطات الوصية مسؤولية كبيرة، خاصة وأن هذه التجاوزات تحدث أمام أعينهم خلال الدورات الرسمية. فالأمر لا يتعلق فقط بنقاش قانوني تقني، بل هو في عمقه مسألة “تعاقد أخلاقي” بين المنتخب والناخب، يتطلب تقديراً للمسؤولية في تتبع صرف المال العام، وإبداء الرأي، وإغناء النقاش حول الميزانيات والمقررات التي تصدر عن المجالس. فهل ستتحرك الجهات المعنية لوضع حد لهذه الفوضى، وتفعيل القانون بشكل عادل وشفاف، أم ستبقى “الانتقائية” هي سيدة الموقف؟

شارك المقال :
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *