جريدة العاصمة
بين منصة المعارضة الشرسة في قبة البرلمان وبين أزقة مكناس المثقلة بالخيبات يبرز اسم عبد الله بوانو كحالة سياسية تثير الكثير من الأسئلة حول جدوى الخطاب حين يصطدم بصخرة التدبير.
اليوم يقود بوانو فريق العدالة والتنمية النيابي بنبرة جريئة تهاجم صفقات الحكومة الحالية وتتهمها بالفساد واختلال الحكامة لكن ذاكرة مكناس التي مثلها الرجل منذ سنة 2015 الى سنة 2021 لا تزال تحتفظ بفصول من تدبير يوصف محليا بالكارثي.
الإرث المالي.. من الفائض إلى التقزيم
حين تسلم بوانو مقاليد جماعة مكناس وجد أمامه وضع مالي وصف بالمريح صناديق ممتلئة وفوائض مكنته من تزفيت بعض الشوارع الكبرى الجيش الملكي محمد الخامس في استعراض لإنجازات ظرفية لم تدم طويلا، بيد أن هذه البداية المريحة سرعان ما تحولت إلى عجز مالي خانق ترك الجماعة في حالة شلل بنهاية ولايته.
والأدهى من ذلك أن الهيكلة المالية التي اعتمدها تحولت إلى واحدة من أكبر الفضائح في تاريخ المدينة، وانتهت بوقائع مأساوية شملت سجن موظفين ووفاة أحدهم داخل المعتقل في وصمة عار لا تزال تلاحق تجربة المصباح في العاصمة الإسماعيلية.
ديكتاتورية الأغلبية وتقزيم الحلفاء
لم يكن بوانو يوما نموذجا للشريك السياسي الذي يؤمن بالتحالفات فعلى الرغم من وجود حزب التجمع الوطني للأحرار معه في التسيير آنذاك إلا أنه سلك منطق الاستحواذ عبر تجميد مهام نوابه والدفع بآخرين للاستقالة تحت ضغط تضارب المصالح بدل تفعيل مساطر العزل عمل بوانو على تقزيم حلفائه لإفراغ مفهوم الأغلبية من معناه منفردا بقرار مدينة لم تجن من هذا التسلط سوى المزيد من الركود.
فشل اجتماعي ومحاصرة شعبية
لم ينس المكناسيون يوم 2 فبراير 2018 حينما حاصرت العاملات المطرودات من معمل للنسيج بوانو وهو يغادر مقر الجماعة.700 عائلة شردت وهو يرفض التدخل فضلا عن احتجاجات عمال النظافة والجمعيات المدنية التي صودرت منحها سنة 2019 بقرار مزاجي ضاربا عرض الحائط بقرارات المجلس وبالدور الحيوي للمجتمع المدني.
حافلات مكناس إلى حلبة لتصفية الحسابات الحزبية
عاشت ولازلت تعيش مدينة مكناس على وقع أزمة نقل خانقة تجاوزت حدود الرداءة التقنية للأسطول لتتحول إلى ملف شائك تتداخل فيه الصراعات الحزبية بالحسابات التدبيرية الضيقة. وبينما ينتظر المواطن المكناسي حافلات تحفظ كرامته يجد نفسه عالقا في وسط حرب رسائل وتصفية حسابات سياسية رئيس الجماعة السابق عبد الله بوانو وخصمه من داخل البيت الحزبي الواحد عبد السلام الخالدي رئيس جماعة ويسلان.فالملف أخذ منحى دراميا في فترة ولاية العدالة والتنيمة بعد دخول عبد السلام الخالدي رئيس جماعة ويسلان على الخط. محاولة أعضاء مجلس التدخل لمراجعة دفتر التحملات وفرض شروط جديدة على الشركة سيتي باص لكن قوبلت برفض راديكالي من طرف بوانو. ووجه رسالة في الحزب داعيا إياه عدم التدخل في قرارات مجلس جماعة مكناس ومطالبا رؤساء الجماعات المجاورة بالبحث عن حلول مستقلة بعيدا عن الاتفاقية التي يراها بوانو سيادية لجماعته.
فبينما يتقمص دور المدافع الشرس عن الشعب في خطاباته المعارضة تظل بصمته في تمديد عقد الشركة سيتي باص هي الشاهد الأكبر على رهن كرامة المرتفقين لحسابات سياسية ضيقة اليوم يحاول بوانو تسويق نفسه كحارس للنزاهة مكيلا الاتهامات للحكومة الحالية بالفساد والاختلالات في الصفقات العمومية.
فمحاولة عبد الله بوانو استعادة بريقه السياسي عبر ارتداء ثوب المعارضة الأخلاقية التي تحارب الفساد لكن السياسة ذاكرة والملفات الراكدة قد تستيقظ في أي لحظة.
إن من فشل في تدبير جماعة لا يمكنه أن يقدم الدروس في تدبير دولة ومن ترك مكناس مدينة منسية لا يملك الأهلية الأخلاقية للحديث عن العدالة الاجتماعية.
إن خطابات بوانو هي مجرد تغطية على حصيلة محلية وصمت مخجل تجاه مدينة استأمنته على صوتها فخيب آمالها.


