لماذا يتحول النقاش على الإنترنت إلى عداء في بعض الدول أكثر من غيرها؟ (دراسة)

جريدة العاصمة/ نجوى القاسمي

 

Ad image

كشفت دراسة حديثة نشرت في الدورية العلمية نايتشر NATURE عن معطيات مهمة تخص السلوكيات العدائية على منصات التواصل الاجتماعي، في سياق علمي يسعى إلى فهم أعمق لظاهرة باتت تثير قلقا متزايدا على المستوى العالمي.

فقد أوضحت الدراسة، التي شملت أكثر من 15 ألف مشارك موزعين على 30 دولة عبر ست قارات، أن النقاشات السياسية على وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت أكثر حدة وعداء مما كان متوقعا وأن هذا العداء لا يمكن تفسيره فقط بخصائص المنصات الرقمية، بل يرتبط أيضا بالبيئة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي يعيش فيها الأفراد.

 

وفي هذا الإطار، سجل المغرب حضوره ضمن الدول التي شملها البحث، إلى جانب مجموعة واسعة من الدول خارج النطاق الغربي التقليدي في محاولة علمية لتوسيع قاعدة البيانات وتجاوز التركيز السابق على الولايات المتحدة وأوروبا وهو ما يمنح الدراسة بعداً عالمياً أكثر شمولا.

 

وتنطلق الدراسة من إشكال أساسي يتمثل في غياب إجماع علمي حول الديناميكيات التي تحكم حدة النقاشات السياسية على وسائل التواصل الاجتماعي رغم الانتشار الواسع للقلق بشأنها.

 

Ad image

إذ تشير إلى أن الأبحاث السابقة ركزت بشكل كبير على التجارب الغربية مما جعل فهم الظاهرة في السياقات المختلفة محدودا نسبيا.

 

وتوضح النتائج أن الأفراد في الدول الأقل ديمقراطية والأكثر تفاوتا اقتصاديا يتعرضون لمستويات أعلى من العداء الإلكتروني مقارنة بغيرهم.

Ad image

وهو ما يعني، بحسب الباحثين أن العداء السياسي عبر الإنترنت ليس مجرد نتاج مباشر للتكنولوجيا، بل هو انعكاس لتوترات أعمق داخل البنية الاجتماعية للدول.

 

كما تكشف المعطيات أن هذا العداء لا يبقى محصورا في الفضاء الرقمي، بل يمتد إلى الواقع حيث تبين أن الأشخاص الذين يظهرون سلوكا عدائيا في النقاشات الإلكترونية غالبا ما يكونون عدائيين أيضا في تفاعلاتهم اليومية خارج الإنترنت.

ومن جهة أخرى تربط الدراسة بين السلوك العدائي والدوافع النفسية المرتبطة بالسعي إلى المكانة الاجتماعية، حيث أظهرت النتائج أن الأفراد الذين يتمتعون بدوافع قوية نحو الهيمنة أو إثبات الذات يميلون أكثر إلى الانخراط في نقاشات سياسية عدائية سواء عبر الإنترنت أو في الواقع.

 

وتضيف الدراسة أن هذه الدوافع النفسية قد تكون أكثر انتشارا في المجتمعات التي تعرف مستويات أعلى من عدم المساواة أو ضعفا في المؤشرات الديمقراطية، وهو ما يؤدي إلى خلق بيئة اجتماعية تنافسية تغذي التوتر والصراع الرمزي بين الأفراد.

وفي السياق نفسه، تبرز الدراسة أن وسائل التواصل الاجتماعي لا تعمل في فراغ، بل تتداخل مع السياقات الاجتماعية والسياسية القائمة، حيث يمكن أن تعكس وتضخم التوترات الموجودة مسبقا داخل المجتمعات، بدلا من أن تكون مجرد فضاء مستقل للنقاش.

وتضيف النتائج أن الخوارزميات الرقمية، من خلال تعزيز المحتوى المثير للجدل والانفعالي، قد تسهم بدورها في زيادة حدة النقاشات عبر خلق دائرة مستمرة من التفاعل العدائي حيث يؤدي التعرض المتكرر لوجهات نظر متعارضة إلى ردود فعل أكثر حدة واستقطابا.

 

ورغم هذا الطرح، تؤكد الدراسة أن تفسير العداء السياسي الإلكتروني لا يمكن اختزاله في عامل واحد سواء كان تقنيا أو نفسيا أو اجتماعيا بل هو نتيجة تفاعل معقد بين هذه العناصر جميعها بما في ذلك طبيعة الأنظمة السياسية ومستويات عدم المساواة الاقتصادية داخل الدول.

 

وتخلص الدراسة إلى أن فهم ظاهرة العداء على وسائل التواصل الاجتماعي يتطلب تجاوز النظرة التقنية الضيقة، نحو تحليل أوسع يأخذ بعين الاعتبار البنية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للمجتمعات، باعتبارها عناصر أساسية في تشكيل أنماط النقاش العام في العصر الرقمي.

شارك المقال :
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *