جريدة العاصمة/ أبو عمار
في السياسة، هناك لحظات تكشف حقيقة المسؤولين أكثر مما تكشفه الخطب والبرامج والوعود الانتخابية، ولعل ما عاشته طرقات المغرب خلال التساقطات الأخيرة أعاد طرح سؤال جوهري حول أداء وزير التجهيز والماء نزار بركة الذي بدا وكأنه خارج زمن الأزمة، يراقب من بعيد بينما كانت البنيات التحتية تختبر قدرتها على الصمود وكانت الطرق تغرق تحت أعين المغاربة.
نزار بركة الذي ورث اسما سياسيا ثقيلا داخل حزب الاستقلال، والذي صور لسنوات كوجه تقني قادر على تدبير القطاعات الكبرى، وجد نفسه أمام اختبار واقعي كشف أن الوزارة التي يشرف عليها ما تزال تعاني من أعطاب بنيوية عميقة، وأن الحديث عن الاستباقية والتخطيط الاستراتيجي لا يجد أثره حين تتحول الأمطار إلى أزمة طرقية تعطل حياة المواطنين وتشكل خطرا على سلامتهم.
المغاربة لم يروا وزيرهم في الميدان، لم يسمعوا منه خطابا يشرح ما وقع، ولم يتلقوا منه أجوبة حول جاهزية الوزارة لمواجهة التقلبات المناخية التي أصبحت واقعا معروفا في المغرب، بل ظهر المشهد وكأن وزير التجهيز والماء يفضل الصمت وانتظار انقضاء الأزمة بدل تحمل مسؤوليته السياسية والتواصل مع الرأي العام. هذا الغياب لا يمكن اعتباره مجرد خطأ في التواصل بل يعكس أسلوبا في التدبير يقوم على رد الفعل بدل المبادرة وعلى الانتظار بدل القيادة.
نزار بركة الذي اعتاد تقديم نفسه كسياسي هادئ ومتزن، بدا في هذه الأزمة بعيدا عن روح القيادة التي تتطلب الحضور الميداني وتحمل المسؤولية أمام المواطنين. فالوزارة التي تشرف على آلاف الكيلومترات من الطرق والمنشآت الحيوية لا يمكن أن تختزل في تدبير إداري بارد، بل تحتاج إلى رؤية واضحة واستراتيجية صيانة مستمرة وخطط تدخل استباقية، وهي عناصر لم يظهر أثرها بوضوح في هذه الأزمة.
الأخطر أن أداء الوزير يعيد طرح النقاش حول طبيعة النخب التي تصل إلى مواقع القرار في المغرب، حيث يبدو أن بعض المسؤولين يصلون إلى مناصبهم محاطين بهالة سياسية وتاريخ عائلي أكثر مما يصلون برصيد من التجربة الميدانية القادرة على مواجهة الأزمات الحقيقية. نزار بركة الذي قدم طويلا كأحد الوجوه الاقتصادية والسياسية البارزة، وجد نفسه اليوم أمام واقع يكشف أن إدارة وزارة بحجم التجهيز والماء تتطلب حضورا أقوى وجرأة أكبر في تحمل المسؤولية.
حزب الاستقلال الذي ظل يقدم نفسه كحزب وطني عريق يتحمل اليوم مسؤولية سياسية في أداء أحد أبرز وزرائه، لأن الوزارة التي يديرها بركة ليست قطاعا عاديا بل شريان حياة يربط المدن والقرى ويؤثر بشكل مباشر على الاقتصاد والتنمية والتنقل اليومي للمواطنين. وعندما تتعطل الطرق وتغمرها المياه فإن ذلك لا يطرح فقط سؤال الطبيعة بل يطرح سؤال التدبير وسؤال الكفاءة وسؤال المحاسبة السياسية.
في المقابل، كان لافتا أن المؤسسات الأمنية والسلطات الترابية كانت في الصفوف الأمامية لمواجهة الأزمة، وهو ما زاد من حدة التساؤلات حول موقع وزير التجهيز والماء الذي يفترض أن يكون في قلب الميدان لا على هامشه. فالدولة بمختلف مؤسساتها تتحرك حين تقع الأزمات، لكن غياب الوزير في مثل هذه اللحظات يضعف صورة العمل الحكومي ويعزز شعور المواطن بأن بعض المسؤولين بعيدون عن معاناته اليومية.
المغاربة لا ينتظرون من نزار بركة أن يوقف المطر ولا أن يمنع الفيضانات، لكنهم ينتظرون منه أن يقدم رؤية واضحة لتدبير البنيات التحتية وأن يتحمل مسؤوليته في التواصل والمصارحة وأن يظهر في لحظات الأزمات لا أن يختفي خلف الصمت أو خلف لغة تقنية لا تلامس واقع المواطنين. فالقيادة السياسية تقاس بالحضور في اللحظات الصعبة لا بالظهور في الفترات الهادئة.
ما وقع كشف أن وزارة التجهيز والماء في حاجة إلى مراجعة عميقة في أساليب اشتغالها وفي طريقة تدبيرها للأزمات، كما كشف أن نزار بركة أمام اختبار سياسي حقيقي قد يعيد رسم صورته داخل الحكومة وخارجها، لأن المسؤول الذي يطمح إلى أدوار سياسية أكبر مطالب أولا بإثبات قدرته على تدبير قطاعه بكفاءة وشفافية وحضور ميداني قوي.
نزار بركة الذي ينتظر بركة السماء قد يكتشف أن السياسة لا تبنى بالانتظار بل بالمواجهة، وأن المغاربة الذين تابعوا مشاهد الطرق الغارقة لن ينسوا بسهولة أن وزير التجهيز والماء غاب في لحظة كان يفترض أن يكون فيها في الصف الأول.
كاتب رأي


