جريدة العاصمة
أماط التقرير السنوي للمجلس الأعلى للحسابات برسم (2024-2025) اللثام عن حصيلة رقابية ثقيلة، حيث أصدرت المحاكم المالية 4452 قراراً وحكماً نهائياً في مجال التدقيق والبت في الحسابات. وبينما حازت قرارات إبراء الذمة على نصيب الأسد بنسبة 95%، سجل القضاة عجوزات مالية ناهزة 58 مليون درهم، نجمت في معظمها عن تقاعس بعض المحاسبين عن اتخاذ الإجراءات اللازمة لتحصيل الموارد العمومية، وهو ما يعكس صرامة المؤسسة في تتبع مسارات المال العام من الجباية إلى الصرف.
وأحال الوكيل العام للملك لدى المجلس 20 ملفاً على رئاسة النيابة العامة للاشتباه في تضمنها أفعالاً تستوجب عقوبات زجرية. هذه الملفات، التي شملت 13 جماعة ترابية ومؤسسات وشركات عمومية، تؤكد أن الرقابة المالية لم تعد تكتفي بالأدوار البيداغوجية، بل انتقلت إلى تفعيل المسارات القضائية في مواجهة الاختلالات الجسيمة التي لا تستوعبها العقوبات الإدارية أو الغرامات المالية.
وعلى صعيد التأديب المتعلق بالميزانية، كشف التقرير عن متابعة 99 مسؤولاً، حيث بلغت قيمة الغرامات المحكوم بها أزيد من 4 ملايين درهم. المثير في المعطيات هو تركز المتابعات في صفوف الآمرين بالصرف بنسبة 46% على المستوى الوطني، بينما وصلت النسبة إلى 47% لدى رؤساء الجماعات الترابية أمام المجالس الجهوية، مما يضع النخبة التدبيرية المحلية تحت مجهر المساءلة المباشرة عن ثغرات أنظمة الرقابة الداخلية والنقص في الإلمام بقوانين الصفقات العمومية.
وفي المقابل، سجل القضاة الماليون أثراً إيجابياً للتحول الرقمي، حيث ساهم نظام التدبير المندمج للنفقات في تقليص الأخطاء الحسابية بشكل ملموس. كما أدت الملاحظات التمهيدية للمجلس إلى استباق الأحكام النهائية باسترجاع مبالغ ناهزت 16.4 مليون درهم، فضلاً عن إجراءات تصحيحية قام بها المدبرون تلقائياً وفرت على خزينة الدولة ما يناهز 629 مليون درهم، مما يبرز الدور الاستباقي للمحاكم المالية في تجويد الأداء العمومي قبل الوصول إلى مرحلة العقاب.
واختتم المجلس تقريره بفتح نقاش حول نجاعة المساطر، داعياً إلى موازنة كلفة المسطرة القضائية مع الرهانات المالية للأفعال المرصودة. وفي رسالة موجهة لأصحاب الشكايات الكيدية، كشف المجلس أن 95% من الوشايات التي يتوصل بها تفتقر للعناصر الجدية، مؤكداً استمراره في نشر القواعد المستنبطة من أحكامه لتنبيه المدبرين للمخالفات الشائعة، في إطار مقاربة تزاوج بين الردع القضائي والتوجيه البيداغوجي لضمان الانتقال السلس نحو تدبير يرتكز على النتائج لا الوسائل فقط.


