افتتاحية جريدة العاصمة.. طاليس الحسوني
صدق أو لا تصدق، فالخبر صحيح، والوقائع ثابتة بحكم قضائي ابتدائي صدر عن محكمة فاس، مدينة ضاربة في التاريخ، اشتهرت بالعلم والعلماء، لكنها للأسف باتت تسجل في السنوات الأخيرة أعلى معدلات المحاكمات المرتبطة بنهب المال العام، واليوم، نحن أمام جريمة أبشع من كل ما سبق، سرقة أموال اليتامى، ضحايا القدر الذين فقدوا السند، ليجدوا أنفسهم أمام مسؤولين لم يردعهم لا ضمير ولا أخلاق، بل سولت لهم أنفسهم أن يمدوا أيديهم حتى إلى ما حرم شرعا وقانونا.
أن تنهب الأموال العامة فذلك جرم، وأن تستغل المواقع والنفوذ فذلك عار، لكن أن تصل الوقاحة حد التلاعب بأموال الأيتام، فتلك كارثة أخلاقية بكل المقاييس. يقول الشاعر: “وظلم ذوي القربى أشد مضاضة… على المرء من وقع الحسام المهند”، فكيف إذا كان الظلم موجها لليتيم، الذي أوصت به الأديان السماوية والضمائر الحية، وجعل النبي صلى الله عليه وسلم كافله في الجنة معه؟
المحكمة قالت كلمتها، وأصدرت أحكاما بالسجن في حق المتورطين، لكن الحقيقة أن الحكم لا يكفي لغسل العار. لأن المسألة أعمق من ملف قضائي، إنها جرح في جسد المجتمع ورسالة واضحة على حجم الانهيار القيمي الذي نعيشه. فحين تنهب أموال المحرومين الذين لا سند لهم سوى الله، نكون أمام مشهد يختزل مقولة عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟”، بل هنا الأدهى: متى استباح بعض الناس أموال الأيتام وهم أحوج من يحميهم المجتمع؟
من فاس إلى كل الوطن، الرسالة صارخة، حماية المال العام لا تكفي إن لم تصن أموال اليتامى، والعدالة لا تكتمل إن لم يكشف كل متورط، مهما كانت صفته أو مكانته. يقول المثل العربي: “من خان الأمانة فقد خان كل القيم”. واليوم، هذه القضية تذكير مؤلم بأن الفساد لا يتوقف عند حدود المؤسسات، بل يتسلل حتى إلى حضن الجمعيات الخيرية التي وجدت أصلا لحماية الضعفاء.
التاريخ لا يرحم، والعار يلاحق، وفاس لا تستحق أن تدنس صورتها بمثل هذه الفضائح. وما لم يكن الردع صارما، والرقابة حقيقية، والوعي المجتمعي يقظا، فستظل مثل هذه الجرائم تتكرر في أبشع صورها.


